ظاهرة المعتنقين الأوروبيين للإسلام

ظاهرة المعتنقين الأوروبيين للإسلام

من الباييا إلى الحلال: ظاهرة المعتنقين الأوروبيين والإسبان للإسلام
هناك مشهد يتكرر كل عام في أوروبا.
فتى يُدعى خافيير من ألباسيتي، أو توماس من باريس، أو بيتر من برلين؛ يكتشف الإسلام في يوم ما، ويقرأ عن النبي محمد، ويشتري مصحفاً، ويتعلم قول “السلام عليكم”، وبعد عدة أشهر، يظهر على إنستغرام ليعلن أن اسمه الآن يوسف.
تدخل أمه في صدمة، ويسأل والده عما إذا كانت هذه مجرد مرحلة عابرة كتمسكه السابق بعزف الموسيقى (DJ)، بينما جدته، التي لا تزال لا تفهم كيف يعمل واتساب، تطرح سؤالاً واحداً فقط: “ولكن، هل سيستمر في المجيء لتناول الغداء معنا أيام الأحد؟”
أهلاً بكم في العالم المثير للمعتنقين الأوروبيين للإسلام.
 

ظاهرة صغيرة… لكنها مرئية للغاية

أول ما يجب قوله هو أن الإنترنت يبالغ كثيراً.
لو قضى المرء وقتاً طويلاً على يوتيوب، لظن أن آلاف الأوروبيين يتركون حياتهم أسبوعياً للتتحول إلى الإسلام؛ لكن الواقع أكثر تواضعاً بكثير.
تشير التقديرات إلى أن المعتنقين يمثلون جزءاً ضئيلاً من إجمالي السكان المسلمين في أوروبا؛ وتتحدث بعض الدراسات عن أرقام تتراوح بين 200,000 و320,000 معتنق في كامل أوروبا، رغم صعوبة التحديد بدقة لأن العديد من الدول لا تسجل الديانة في إحصاءاتها.
في إسبانيا، يُعد عدد المعتنقين صغيراً نسبياً؛ إذ تضع البيانات الحديثة الرقم عند نحو 29,000 شخص، ضمن إجمالي عدد المسلمين الذي يتجاوز 2.4 مليون نسمة.
ومع ذلك، توجد مفارقة مثيرة للاهتمام: هم قليلون، لكن صوتهم مرتفع جداً.
لقد وضعنا نظارات التحليل دون تحيز ودون تخدير؛ لذا: من هم، وماذا يبحثون عنه، وكيف ينسجمون في الصورة، ولماذا تثير هذه الظاهرة كل هذا القدر من الحديث؟
 

النماذج الشخصية: قُل لي من أين جئتَ أَقُل لك لماذا اعتنقتَ الإسلام

مجتمع المعتنقين متنوع للغاية كطابور السوبرماركت في صباح يوم السبت؛ ويمكن تحديد أربعة نماذج رئيسية:
 

1. “شاب الجيل Z” الباحث عن خوارزمية للحياة

  • النموذج: شباب تتراوح أصلهم بين 18 و28 عاماً، شديدو الاتصال بالشبكة ومحبطون من الفردانية الشرسة وفوضى شبكات التواصل.
  • الجاذب: في عالم ذي قيم سائلة وعبارات “افعل ما تشاء”، يقدم الإسلام قواعد واضحة، وانضباطاً يومياً (الصلوات الخمس)، وزهداً، ومجتمعاً يمنح شعوراً حقيقياً بالانتماء.

 

2. المفهوم الفكري أو البحث المناهض للاستهلاكية

  • النموذج: أشخاص ذوو خلفية أكاديمية أو خلفية سياسية واجتماعية يشككون في نمط الحياة الغربي.
  • الجاذب: يجدون في الإسلام نقداً عميقاً للمادية والتسليع المفرط للعلاقات الإنسانية. بالنسبة للبعض، هو التعبير الأقصى عن “السباحة ضد التيار” في ثقافة يسيطر عليها السوق.

 

3. الصوفي و”سحر الصوفية”

  • النموذج: عشاق شعر جلال الدين الرومي، والتأمل، والتاريخ الأندلسي، والفن الإسلامي (الذي يحضر بقوة في مدن مثل غرناطة أو قرطبة).
  • الجاذب: يدخلون إلى الإسلام من باب الروحانية العميقة والصوفية؛ يبحثون عن التسامي والجماليات والربط الروحي الذي كفّت الديانة التقليدية المحلية عن توفيره لهم.

 

4. “تأثير كيوبيد” (بسبب الحب أو العائلة)

  • النموذج: أشخاص يتعرفون على شريك حياة مسلم ويقررون تبني الدين، إما عن قناعة حقيقية ناتجة عن التعايش، أو لتسهيل التناغم العائلي.

وجهات النظر المختلفة: نقاش ثلاثي الأبعاد

تولد ظاهرة المعتنقين السكان الأصليين ردود فعل متنوعة جداً بحسب من تسأله:

1. المجتمع العلمي والمحافظ: “ولكننا تجاوزنا كل هذا!”

بالنسبة لجزء من المجتمع الأوروبي، يتسبب التحول في حيرة حقيقية:
  • القطاع العلماني/التقدمي: لا يفهم كيف لمرء نشأ في إطار الحريات الفردية أن يتبنى ديناً بنواظم أخلاقية يُنظر إليها على أنها صارمة أو تقليدية.
  • القطاع المحافظ/الهوياتي: ينظر إلى الأمر بريبة أو شك، مفسراً إياه شبه كـ “تخلٍّ” عن الجذور الثقافية والهوياتية الأوروبية.

 

2. مجتمع المسلمين من أصول مهاجرة: حماس أم صدمة ثقافية؟

من جهة، يُحتفل بوصول المعتنقين الجدد ببهجة: فهو يثبت عالمية الإيمان.
ومن جهة أخرى، لا تغيب اللحظات الفكاهية والتوترات الثقافية: عندما يحاول معتنق إسباني جديد تدريس اللاهوت أو نطق العربية بشكل أفضل من شخص ولد في القاهرة، أو عندما تتصادم العفوية الإسبانية مع الآداب الثقافية لبلد المنشأ للمسجد.
 

3. وجهة النظر النقدية (والواقعية)

إن اعتناق الإسلام بالنسبة لأوروبي لا يعفيه من تناقضات الحياة الحديثة؛ إذ يجد العديد من المعتنقين أنفسهم محاصرين في “أرض لا يملكها أحد”:
بالنسبة لأصدقاء العمر، أصبحوا “من لا يخرجون للشرب”؛ وبالنسبة للجالية المسلمة المهاجرة، يظلون “الجدد” أو “الغربيين”.
 

عندما يصبح المعتنق “أكثر إسلاماً من المسلمين”

توجد ظاهرة معروفة في العديد من الدول الأوروبية: “المعتنق الحماسي”.
يتعلم الوافد الجديد أربع كلمات بالعربية، وبعد ثلاثة أسابيع يصحح لمسلمين مارست عائلاتهم الإسلام لجيل بعد جيل.
بل إن بعض الخبراء يشيرون إلى أن بعض المعتنقين قد يتبنون نسخاً شديدة الصرامة من الدين خلال السنوات الأولى، وهو أمر شائع نسبياً في العديد من الحركات الدينية؛ إذ يميل الوافد الجديد لعيش التجربة بكثافة هائلة.
 

النقاش الأوروبي

مثل كل ما يتعلق بالإسلام، يقسّم هذا الموضوع الآراء:
  • الذين يرون الأمر بإيجابية:
    يحتجون بأن: الحرية الدينية تتضمن تغيير الدين. يجد العديد من الأشخاص السلام والمعنى في الإسلام. يجب على أوروبا قبول جميع المعتقدات طالما أنها تحترم القوانين. والتنوع الديني ثراء.
    ولهم الحق في ذلك؛ فإذا كنا نؤمن بالحرية، فيجب علينا أيضاً قبول أن يتحول شخص ما إلى الإسلام، أو البوذية، أو أن يقرر عبادة نبات منزلي.
  • النقاد:
    من ناحية أخرى، يطرح البعض أسئلة مزعجة: ما هو نموذج الإسلام الذي يتبناه بعض المعتنقين؟ هل هو متوافق مع القيم الأوروبية؟ هل يشجع الاندماج أم يخلق هويات موازية؟ لماذا ينتهي المطاف ببعض المعتنقين إلى اعتناق مواقف شديدة المحافظة؟
    كما يوجد قلق من واقعة معروفة: المعتنقون كانوا ممثلين بشكل زائد في بعض حالات التطرف الإسلامي في أوروبا، رغم أن الغالبية العظمى لا تتبنى أبداً مواقف متطرفة؛ وهنا من المهم التكرار: التحول لا يعني التطرف.

 

الأثر في أوروبا

من الناحية العدادية، الأثر صغير؛ ومن الناحية الثقافية، فهو أكبر بكثير.
لأن كل تحول يطرح أسئلة تحاول أوروبا الإجابة عنها منذ سنوات: ما معنى أن تكون أوروبياً؟ هل يمكن أن يوجد إسلام أوروبي؟ إلى أين يصل الاندماج؟ وهل يمكن لدين أن يتكيف مع الحداثة؟
تنظر أوروبا إلى الظاهرة بمزيج من الفضول، والحيرة، وفي بعض الأحيان، القلق.
 

وماذا سيحدث في المستقبل؟

يشير كل شيء إلى أن عدد المعتنقين سيستمر في النمو ببطء خلال السنوات القادمة، رغم أن النمو الرئيسي للإسلام في أوروبا يظل مرتبطاً بالهجرة والديموغرافيا، لا بالتحولات.
وعلى الأرجح سنستمر في رؤية قصص مفاجئة: سياسيون يتحولون، أساتذة جامعيون يعتنقون الإسلام، ومؤثرون يشرحون كيفية الصلاة على تيك توك.
وبعض الفتيان مثل خافيير الذين يعلنون بعد ستة أشهر: “من الآن فصاعداً، اسمي يوسف.”
 

السؤال المزعج

هنا يظهر السؤال الذي لا يجرؤ أحد تقريباً على صياغته:
لماذا يعتنق بعض الأوروبيين ديناً يحاول العديد من المسلمين المولودين في دول إسلامية إصلحه أو تركه؟
السؤال مزعج، ولكنه مشروع.
فبينما يناضل أشخاص في بعض الأماكن من أجل فهم أكثر ليبرالية للإسلام، نجد في أوروبا معتنقين مبهورين بالتحديد بجوانبه الأكثر تقليدية. إنها إحدى مفارقات القرن الحادي والعشرين.
Close Menu