You are currently viewing المرأة في ظل الشريعة الإسلامية: الميراث والزواج والشهادة والسلطة الذكورية

المرأة في ظل الشريعة الإسلامية: الميراث والزواج والشهادة والسلطة الذكورية

 هل يمكن لدين نشأ في القرن السابع أن يتعايش مع المساواة في القرن الحادي والعشرين؟

عندما يتحول التمييز إلى قاعدة

لنتخيل أخوين توفي والدهما. كلاهما بالغ، وكلاهما تلقى تعليماً، وكلاهما يعمل، ولهما الاحتياجات الاقتصادية نفسها. ومع ذلك، عند تقسيم الميراث، قد يحصل الابن على ضعف ما تحصل عليه الابنة.

ولنتخيل الآن زوجين مسلمين، رجلاً وامرأة تجمعهما المحبة والاحترام والقيم المشتركة. إذا كان الرجل مسلماً والمرأة مسيحية، فإن الفقه الإسلامي يسمح عموماً بهذا الزواج. أما إذا انعكست الأدوار، وكانت المرأة مسلمة والرجل مسيحياً، فإن الحكم التقليدي يمنع هذا الزواج.

ولنتأمل أيضاً امرأة تريد الطلاق، أو ممارسة الولاية القانونية على أطفالها، أو الزواج من دون تدخل وليّ ذكر. بحسب البلد والقانون المعمول به، قد تواجه عقبات لا يواجهها الرجل في الظروف نفسها.

نحن لا نتحدث هنا عن عادات عائلية أو اختلافات ثقافية فحسب، بل عن قواعد دينية تحولت، في العديد من الأنظمة القانونية، إلى قوانين تنظم حياة ملايين الأشخاص.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل يمكن تحقيق مساواة حقيقية بين الرجل والمرأة عندما يمنح القانون حقوقاً مختلفة على أساس الجنس؟

الإسلام ليس كتلة واحدة متجانسة. فهناك تيارات ومدارس فقهية وتفسيرات إصلاحية، وملايين المسلمين الذين يدافعون عن المساواة بين الرجل والمرأة. كما توجد دول ذات أغلبية مسلمة أدخلت إصلاحات مهمة في مجال حقوق المرأة.

لكن الاعتراف بهذا التنوع لا ينبغي أن يمنعنا من دراسة القواعد التقليدية التي تكرّس اختلاف الحقوق بين الرجل والمرأة ونقدها.

يتناول هذا المقال تلك القواعد، ومبرراتها الدينية، ومدى حضورها في التشريعات الحالية، وعلاقتها بمبادئ المساواة والحرية الفردية والاستقلالية الشخصية التي تقوم عليها الديمقراطيات الأوروبية.

 

1. الميراث: لماذا ترث الابنة نصف ما يرثه الابن؟

ماذا تنص القاعدة؟

تنص الآية 11 من سورة النساء على قواعد للميراث يحصل بموجبها الابن الذكر، في حالات معينة، على نصيب يعادل نصيب ابنتين.

وهذه قاعدة صريحة في نظام المواريث في الفقه الإسلامي التقليدي.

ما المبرر التقليدي لهذه القاعدة؟

يقوم التفسير الفقهي التقليدي على توزيع الالتزامات الاقتصادية داخل الأسرة.

فوفقاً لهذا التصور، يتحمل الرجل مسؤولية الإنفاق على زوجته وأطفاله، ودفع المهر، والوفاء بالتزامات مالية معينة. أما المرأة، فتحتفظ بمالها ولا تتحمل الالتزام نفسه بالإنفاق على زوجها.

ومن هذا المنطلق، يحصل الرجل على نصيب أكبر لأنه يُفترض أن يتحمل أعباء مالية أكبر.

وهذا التفسير يعكس منطق النظام التقليدي: حقوق والتزامات مختلفة لكل من الرجل والمرأة.

أين تكمن المشكلة؟

يعتمد هذا التبرير على نموذج عائلي محدد، يكون فيه الرجل المعيل اقتصادياً، وتكون المرأة في موقع الاعتماد المالي عليه.

لكن ماذا يحدث عندما تعمل المرأة وتعيل أطفالها، أو ترعى والديها، أو تساهم في اقتصاد الأسرة أكثر مما يساهم أخوها؟

وماذا لو كان الأخ لا يعمل، بينما أمضت أخته سنوات في رعاية والديهما المريضين؟

إن قاعدة الميراث لا تتكيف تلقائياً مع هذه الظروف، بل يتحدد التوزيع وفق فئات قانونية مسبقة، لا وفق المساهمة الاقتصادية الفعلية لكل شخص.

كما أن التزام الرجل التقليدي بإعالة الأسرة لا يُنفذ دائماً في الواقع، في حين تسهم نساء كثيرات بصورة أساسية في إعالة أسرهن.

هل لا تزال هذه القاعدة مطبقة اليوم؟

نعم، في العديد من البلدان والأنظمة القضائية التي تطبق أحكام المواريث الإسلامية. ومن الأمثلة الموثقة مصر والسعودية والمغرب والأردن.

وقد وثقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية استمرار وجود فروق بين أنصبة الرجال والنساء في قواعد الميراث العامة في مصر والأردن والمغرب وتونس. كما تطبق السعودية قواعد للمواريث الإسلامية يحصل بموجبها الأبناء الذكور، في حالات معينة، على ضعف نصيب البنات.

النقد من منظور القيم الأوروبية

لا تكمن المشكلة في إنكار احتمال وجود مسؤوليات اقتصادية مختلفة داخل الأسرة، بل في جعل جنس الشخص معياراً قانونياً لتحديد مقدار ما يحق له أن يرثه.

من منظور المساواة القانونية، ينبغي أن يتمتع الابن والابنة بالحقوق نفسها في الميراث لمجرد كونهما ابنين للمتوفى، من دون أن يحدد جنسهما تلقائياً قيمة نصيبهما.

إذا كان المجتمع يرى أن من غير العادل أن تتحمل النساء التزامات اقتصادية أقل، فيمكنه إصلاح القواعد المنظمة للمسؤوليات الأسرية. أما الإبقاء على تفاوت دائم في الحقوق المالية باسم نموذج عائلي لم يعد يعكس واقع كثير من الأسر، فمن الصعب تبريره وفق مفهوم المساواة المعاصر.

 

2. الشهادة: هل شهادة المرأة تساوي نصف شهادة الرجل؟

ماذا يقول القرآن فعلياً؟

تتناول الآية 282 من سورة البقرة توثيق الديون والمعاملات المالية، وتنص على الاستعانة بشاهدين من الرجال، أو برجل وامرأتين إذا لم يتوفر شاهدان من الرجال، بحيث تذكّر إحداهما الأخرى إذا نسيت.

وتُعد هذه الآية من أكثر النصوص استشهاداً في النقاشات المتعلقة بشهادة المرأة.

ما المنطق التقليدي وراء ذلك؟

يرى التفسير الأكثر شيوعاً أن وجود امرأتين في هذا السياق يهدف إلى توفير ضمان إضافي لدقة التذكر في المعاملات المالية.

وفي المجتمعات التاريخية التي تطور فيها هذا التفسير، كانت الأنشطة التجارية والمالية تخضع في الغالب لهيمنة الرجال. وقد رأى بعض الفقهاء أن اختلاف الأدوار الاجتماعية يبرر وضع قواعد مختلفة للإثبات.

ماذا عن هذا التبرير اليوم؟

تشارك النساء اليوم في الأعمال المصرفية والتجارة والإدارة العامة والبحث العلمي، وفي جميع المجالات المهنية تقريباً. ولا يمكن تحديد قدرة المرأة على فهم العقود أو تذكر الوقائع بناءً على جنسها.

إذا شهد شخصان معاملة معينة، فينبغي تقييم موثوقية أقوالهما استناداً إلى معرفتهما بالوقائع واتساق شهادتيهما والأدلة الأخرى المتاحة.

هل لا تزال هذه القاعدة مطبقة في القوانين الحالية؟

يختلف الوضع اختلافاً كبيراً من بلد إلى آخر. فليست جميع الدول ذات الأغلبية المسلمة تطبق القواعد نفسها للإثبات، كما أن كثيراً من الأنظمة القضائية الحديثة تميز بين القانون المدني والجنائي والتجاري والأحكام الدينية.

لذلك، من غير الدقيق تعميم قاعدة الآية 282 من سورة البقرة على جميع المحاكم المعاصرة. ومع ذلك، قد تُمنح شهادة المرأة وزناً قانونياً أقل في بعض السياقات داخل بعض البلدان ذات الأغلبية المسلمة.

النقد من منظور المساواة

لا ينبغي للعدالة أن تنطلق من افتراض أن المرأة تحتاج إلى امرأة أخرى كي تتذكر ما حدث، في حين يمكن اعتبار شهادة الرجل وحده كافية.

تقتضي المساواة أمام القانون تقييم مصداقية كل شاهد على حدة، وفق معايير تنطبق على الجميع.

فالذاكرة لا جنس لها.

 

3. الزواج بين الأديان: حرية للرجل ومنع للمرأة

ماذا يقول الفقه الإسلامي التقليدي؟

يسمح الفقه الإسلامي الكلاسيكي عموماً للرجل المسلم بالزواج من امرأة مسيحية أو يهودية، من أتباع ما يُعرف بأهل الكتاب، وفق شروط معينة.

في المقابل، يمنع تقليدياً زواج المرأة المسلمة من رجل غير مسلم، حتى لو كان مسيحياً أو يهودياً.

وهذا اختلاف غير متكافئ: إذ يُمنح الرجل خياراً في الزواج يُحرم منه المرأة.

لماذا يُسمح للرجل ويُمنع عن المرأة؟

يرتبط التبرير التقليدي بعدة عناصر:

السلطة الذكورية داخل الزواج: كان يُنظر إلى الزوج باعتباره المسؤول عن إدارة الأسرة والإنفاق عليها.

حماية الهوية الدينية للأطفال: يفترض هذا التصور أن الأب المسلم سيحافظ على الهوية الإسلامية للأسرة.

البنية الأبوية للأسرة: يُنظر إلى دين الزوج باعتباره عاملاً حاسماً في تحديد التوجه الديني للأسرة.

كما تؤثر في هذا الحكم تفسيرات الآيات القرآنية المتعلقة بالزواج من أتباع الديانات الأخرى، وما تطور لاحقاً في الفقه الإسلامي.

هل لا يزال هذا الحكم قائماً اليوم؟

نعم، في عدد من البلدان التي تنظم الزواج الإسلامي من خلال قوانين الأحوال الشخصية المستندة إلى الفقه الإسلامي. وقد تضمنت التشريعات السورية تقليدياً هذا المنع، بينما تختلف التفاصيل والشروط الإضافية المتعلقة بالدين وصحة الزواج من بلد إلى آخر.

التناقض مع القيم الأوروبية

في المجتمع الليبرالي، ينبغي أن يكون لشخصين بالغين الحق في اختيار من يتزوجان به بحرية، ما دام الزواج قائماً على الرضا وتتحقق فيه الشروط القانونية العامة.

لا ينبغي أن يحد دين المرأة من قدرتها على اختيار شريك حياتها، بينما يتمتع الرجل الذي يعتنق الدين نفسه بحرية أوسع.

ويطرح هذا المنع أيضاً سؤالاً يتعلق بالاستقلالية الشخصية: هل تستطيع المرأة أن تقرر بنفسها الدين الذي تمارسه، وكيف تربي أطفالها، وما الالتزامات التي تقبلها في زواجها؟

لا ينبغي أن تعتمد الإجابة على كون الشخص رجلاً أو امرأة.

إذا كان اختيار شريك الحياة حقاً، فيجب أن يشمل أيضاً النساء اللواتي يرغبن في الزواج من خارج مجتمعهن الديني.

 

4. الألقاب العائلية: لماذا تنتقل هوية الأسرة عبر الأب لا الأم؟

لنتخيل ولادة طفل. له أم وأب، وكلاهما ساهم في ولادته، وكلاهما يشكل جزءاً من هويته. ومع ذلك، تحتل السلالة الأبوية في بعض الأنظمة العائلية والقانونية مكانة مميزة عند تحديد النسب والانتماء العائلي للطفل.

قد تبدو هذه المسألة ثانوية، لكنها تطرح سؤالاً مهماً: لماذا ينبغي أن تنتقل الهوية العائلية أساساً عبر الرجل، بدلاً من انتقالها على قدم المساواة عبر كلا الوالدين؟

ما علاقة هذا التقليد بالإسلام؟

يوجد في الفقه الإسلامي مفهوم يُعرف باسم النسب، ويشير إلى النسب العائلي وإثبات الانتماء إلى الأسرة. وفي التفسيرات التقليدية، يحظى النسب الأبوي بأهمية قانونية خاصة، لأنه يؤثر في مسائل مثل القرابة والميراث وبعض موانع الزواج.

وتنص الآية 5 من سورة الأحزاب على نسبة الأشخاص إلى آبائهم إذا كانوا معروفين. وتتعلق الآية بإثبات النسب، لكنها لا تضع بحد ذاتها نظاماً عالمياً للألقاب العائلية مماثلاً للأنظمة المعمول بها في البلدان الأوروبية الحديثة.

وهذا التمييز مهم: فالفقه الإسلامي التقليدي يمنح النسب الأبوي أهمية قانونية كبيرة.

وتختلف أنظمة الأسماء والألقاب من بلد إلى آخر. ففي بعض الأماكن، يتبع اسم الشخص اسم أبيه وأسماء أجداده. وفي أماكن أخرى، تُستخدم ألقاب عائلية موروثة، وقد تسمح قواعد السجل المدني بخيارات مختلفة.

ما المنطق التقليدي وراء ذلك؟

يقوم هذا المنطق على تحديد الانتماء العائلي من خلال خط نسب معترف به قانونياً. وقد كانت لهذا التحديد آثار مهمة تاريخياً في الميراث والالتزامات المالية والقرابة وتنظيم الأسرة.

في النظام الأبوي للنسب، يحتل خط الأب موقعاً مركزياً في نقل الانتماء العائلي. وتُعترف الأم بوصفها والدة الطفل، لكن خطها العائلي لا يحظى دائماً بالأهمية القانونية نفسها.

وهذا النظام ليس خاصاً بالإسلام، فقد عرفته أيضاً مجتمعات أوروبية وثقافات أخرى. لكن النسب الأبوي يرتبط في بعض الأنظمة القانونية الإسلامية بقواعد دينية وقانونية محددة قد تقيد إمكانات إثبات النسب بطرق مختلفة.

هل لا يزال ذلك يحدث اليوم؟

يعتمد الأمر على البلد وعلى المقصود بحمل لقب الأب.

ففي كثير من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، لا يزال التقليد الأبوي للنسب يؤدي دوراً مهماً في الأسماء وإثبات الانتماء العائلي.

النقد من منظور المساواة

لا تتمثل القضية الأساسية في فرض لقب الأم على جميع الأطفال، بل في التساؤل عن سبب إعطاء خط الأب الأولوية تلقائياً، مع أن كلا الوالدين يساهم في حياة أطفالهما وهويتهم.

إذا كان المجتمع يعترف بأن الأم والأب والدان على قدم المساواة، فمن المنطقي التساؤل عن سبب منح أحد خطي النسب امتيازاً قانونياً على الآخر.

لا تقتضي المساواة أن تستخدم جميع الأسر نظام الألقاب نفسه، بل تقتضي ألا تُعتبر المرأة أقل أهمية من الرجل في نقل الهوية العائلية، وألا تُحرم من حقوقها بسبب جنسها.

التعارض مع القيم الأوروبية

لا يوجد في أوروبا أيضاً نظام موحد للألقاب. فبعض البلدان تسمح للوالدين بالاختيار بين عدة خيارات، بينما تضع بلدان أخرى قواعد محددة لألقاب الأطفال. وفي إسبانيا، يسمح القانون بتسجيل لقبي كلا الوالدين، مع اختيار ترتيبهما بالاتفاق بينهما، وفق قواعد السجل المدني.

والمبدأ الأساسي هو ألا تُستخدم الهوية العائلية لإثبات أن للأب حقوقاً أكبر من الأم.

ليس السؤال لماذا يحمل الطفل لقب أبيه، بل لماذا ينبغي، في بعض الأنظمة، أن تكون الأولوية القانونية لخط الأب على خط الأم.

 

5. تعدد الزوجات: لماذا يمكن للرجل المسلم الزواج بأربع نساء، بينما لا تستطيع المرأة الزواج بعدة رجال؟

من أوضح الأمثلة على اختلاف الحقوق بين الرجل والمرأة في الفقه الإسلامي التقليدي تعدد الزوجات. فبينما يستطيع الرجل المسلم الزواج بأربع نساء في الوقت نفسه، لا تستطيع المرأة المسلمة أن تكون متزوجة من عدة رجال في آن واحد.

ولا يتعلق الأمر باختلاف بسيط أو بعادة عائلية فحسب، بل بعدم المساواة في قدرة الرجل والمرأة على تنظيم حياتهما الزوجية قانونياً.

ماذا يقول الإسلام؟

تسمح الآية 3 من سورة النساء للرجل بالزواج باثنتين أو ثلاث أو أربع نساء، بشرط أن يعدل بينهن. وتضيف الآية أنه إذا خشي ألا يستطيع العدل، فعليه أن يكتفي بزوجة واحدة.

ويفسر الفقه الإسلامي التقليدي هذا النص باعتباره إجازة للرجل بأن تكون له أربع زوجات في الوقت نفسه.

أما المرأة، فلا تتمتع بحق مماثل. فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تكون متزوجة من عدة رجال في آن واحد، ويعتبر الفقه التقليدي هذا النوع من الزواج غير صحيح.

وبالتالي، فالفرق واضح: يمكن للرجل أن تكون له عدة زوجات، لكن لا يمكن للمرأة أن يكون لها عدة أزواج.

ما المنطق وراء هذه القاعدة؟

هناك عدة مبررات تقليدية.

1. المسؤولية المالية للرجل. يلتزم الزوج بالإنفاق على زوجاته وأطفاله. ويُسمح بتعدد الزوجات، وفق التصور التقليدي، ما دام قادراً على تحمل هذه المسؤوليات.

2. الحماية الأسرية والاجتماعية. تربط بعض التفسيرات التاريخية هذا الحكم بمجتمعات كانت الحروب والوفيات والهشاشة الاقتصادية فيها قد تترك النساء والأطفال في أوضاع صعبة.

3. النسب الأبوي. يمنح التقليد أهمية كبيرة لتحديد الأب وإثبات النسب العائلي. وقد أثار السماح للمرأة بالزواج من عدة رجال، تاريخياً، صعوبات في تحديد الأبوة في غياب وسائل موثوقة لإثباتها. ويساعد هذا التفسير على فهم جزء من السياق التاريخي، لكنه لا يشكل اليوم مبرراً كافياً لحرمان المرأة من المساواة القانونية العامة.

4. البنية التقليدية للسلطة داخل الأسرة. تطور الفقه الكلاسيكي في إطار نموذج يحتل فيه الرجل موقعاً مركزياً في تنظيم الحياة الاقتصادية والعائلية. ويُعد تعدد الزوجات جزءاً من هذا النظام الذي يوزع الحقوق والالتزامات بصورة مختلفة بين الجنسين.

تشرح هذه المبررات الخلفية التاريخية والقانونية للقاعدة، لكنها لا تثبت أن الرجال يحتاجون إلى حرية زوجية أكبر من النساء، أو أن النساء غير قادرات على تحمل المسؤوليات الأسرية.

هل لا يزال تعدد الزوجات مسموحاً اليوم؟

نعم. لا يزال تعدد الزوجات قانونياً، بشروط مختلفة، في عدد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة. لكن ليس جميع هذه البلدان تسمح به؛ فبعضها يحظره، بينما يفرض بعضها الآخر رقابة قضائية أو شروطاً مالية أو متطلبات تتعلق بالزوجة الأولى.

فعلى سبيل المثال، يسمح المغرب بتعدد الزوجات وفق الشروط المنصوص عليها في مدونة الأسرة وتحت رقابة القضاء. أما في تونس، فهو محظور قانونياً. وتختلف القواعد والإجراءات في بلدان أخرى.

ما المشكلة من منظور المساواة بين الرجل والمرأة؟

السؤال الأساسي هو: لماذا تُمنح حرية الزواج لجنس وتُحرم منها الجنس الآخر؟

إذا كان التبرير هو قدرة الرجل على إعالة عدة زوجات، فإن قدرته المالية لا تفسر لماذا ينبغي حرمان المرأة البالغة من حرية زوجية مماثلة. وإذا كان الهدف حماية الأطفال، فينبغي تحقيق ذلك من خلال قواعد تضمن حقوقهم، لا من خلال فرض تفاوت تلقائي بين الوالدين.

كما يجب النظر في النتائج العملية. فقد يؤدي تعدد الزوجات إلى تفاوت في توزيع الوقت والموارد المالية والاهتمام العاطفي والأمان القانوني بين الزوجات. ولا يكفي الالتزام التقليدي بالعدل بينهن للقضاء على هذه المشكلات.

ولا يعني ذلك أن جميع الأسر متعددة الزوجات تعيش التجارب نفسها، أو أن جميع النساء في هذه العلاقات يصفن أوضاعهن بالطريقة نفسها. بل يعني أن القانون يمنح الرجل خياراً زوجياً لا تتمتع به المرأة.

التعارض مع القيم الأوروبية

يقوم الزواج المدني في الأنظمة القانونية الأوروبية على مبدأ الزواج الأحادي. فلا يستطيع الشخص إبرام زواج مدني ثانٍ صحيح ما دام زواجه الأول قائماً.

لكن المسألة الأساسية تتجاوز قوانين الزواج الأوروبية، لأنها تتعلق بالمساواة في الحقوق داخل العلاقة الزوجية.

إذا كنا ندافع عن تمتع الرجل والمرأة بالاستقلالية الشخصية نفسها، فمن المشروع أن نتساءل لماذا يسمح تقليد ديني للزوج بأن تكون له عدة زوجات، بينما يحرم المرأة من خيار مماثل.

النقد الأساسي هو الآتي: إذا كان تعدد الزوجات يُبرر باعتباره خياراً زوجياً مشروعاً للرجل، فلماذا لا تتمتع المرأة بالحرية نفسها؟

تستند الإجابة التقليدية إلى نموذج أسري هرمي، تُحدد فيه أدوار وحقوق مختلفة لكل جنس. ومن منظور المساواة القانونية المعاصرة، ينطوي هذا النموذج على تناقض يصعب تجاهله: فهو يمنح الرجل استقلالية زوجية أكبر من المرأة.

يمكن للتقليد أن يفسر نشأة قاعدة ما، لكن قدمها لا يثبت ضرورة استمرارها إلى الأبد. وينبغي لأي نظام قانوني أن يسأل ما إذا كان يستطيع تبرير هذا الاختلاف من دون التعامل مع المرأة باعتبارها شخصاً أقل حرية في تقرير كيفية عيش حياتها.

 

6. العنف ضد المرأة: الجدل حول الآية 34 من سورة النساء

ماذا يقول النص؟

تُعد الآية 34 من سورة النساء من أكثر النصوص إثارة للجدل في النقاشات المتعلقة بالعلاقة بين الإسلام والعنف المنزلي.

يستخدم النص المصطلح العربي ضرب، الذي كان معناه ونطاقه موضع نقاش. وقد فسرت ترجمات تقليدية عديدة هذا المصطلح باعتباره إذناً للزوج بضرب زوجته في ظروف معينة، ضمن سلسلة من التدابير المتعلقة بالخلاف الزوجي.

وقد أجاز الفقه الكلاسيكي، في مدارس مختلفة، بعض أشكال العقاب الجسدي ضمن قيود معينة. كما منع بعض الفقهاء إحداث الإصابات أو التشويه أو الضرب في مواضع معينة من الجسم.

ما المنطق التقليدي وراء ذلك؟

تندرج الآية ضمن تصور للزواج يحتل فيه الزوج موقع السلطة. وتتحدث عن حالة النشوز، وهو مصطلح فُسّر، بحسب السياق الفقهي، باعتباره تمرداً أو إخلالاً بالواجبات الزوجية أو سلوكاً يهدد العلاقة الزوجية.

ويعرض التفسير الكلاسيكي الأكثر شيوعاً تسلسلاً يبدأ بالموعظة، ثم الهجر في المضجع، ثم العقاب الجسدي وفق بعض القراءات.

هل لا يزال ضرب الزوجة قانونياً في البلدان المسلمة؟

لا توجد إجابة واحدة تنطبق على جميع البلدان. فقد أصدرت بعض الدول قوانين خاصة لمكافحة العنف المنزلي، بينما لا تزال دول أخرى تعاني ثغرات مهمة في حماية النساء.

ولا تتعلق المسألة فقط بما إذا كان النص الديني يسمح بتفسير معين، بل بما إذا كان القانون المدني يحمي الضحية فعلياً، ويتيح لها الإبلاغ عن الاعتداء، ويضمن استجابة قضائية مناسبة.

النقد من منظور حقوق الإنسان

لا ينبغي لأي اختلاف ثقافي أو ديني أن يُستخدم لتبرير الاعتداء على المرأة.

فالعنف المنزلي لا يصبح مقبولاً لأنه يُقدَّم باعتباره تأديباً أو تقويماً للسلوك أو حفاظاً على سلطة الزوج داخل الأسرة.

والمجتمع الذي يعترف بالمرأة باعتبارها شخصاً مستقلاً يجب أن يحمي سلامتها الجسدية والنفسية داخل المنزل، تماماً كما يحميها خارجه.

وينبغي لكل تقليد ديني أن يسأل نفسه ما إذا كانت تفسيراته تساعد على القضاء على العنف، أم تترك مجالاً للرجل كي يحاول تبريره بالاستناد إلى سلطته الزوجية.

لا ينبغي أن تتقدم سلطة الزوج أبداً على حق زوجته في العيش بعيداً عن العنف.

 

الخاتمة: هل يستطيع الإسلام التقليدي التكيف مع المساواة بين الرجل والمرأة؟

يقودنا استعراض القواعد التقليدية للفقه الإسلامي إلى سؤال أساسي: إلى أي مدى يمكن لمجتمع أن يدافع عن المساواة بين الرجل والمرأة بينما تضع بعض التفسيرات الدينية حقوقاً والتزامات مختلفة لكل جنس؟

إن الميراث والشهادة وحرية اختيار الشريك وتعدد الزوجات والطلاق والولاية في الزواج والسلطة على الأطفال ونقل الهوية العائلية ليست قضايا منفصلة. فعند النظر إليها مجتمعة، تكشف عن نموذج قانوني تقليدي يحتل فيه الرجل موقعاً متميزاً في عدة مجالات.

قد يحصل الرجل على نصيب أكبر من الميراث مقارنة بأخته؛ وقد يتزوج امرأة مسيحية أو يهودية، بينما تُحرم المرأة المسلمة من الخيار نفسه؛ وقد تكون له عدة زوجات؛ كما قد يتمتع بحرية أكبر في الطلاق أو يحتفظ بصلاحيات أسرية لا تُمنح للأم بالطريقة نفسها.

ويضاف إلى ذلك وجود تفسيرات دينية أجازت أشكالاً من العقاب الجسدي للزوجة، وقواعد تقليدية تمنح الرجل موقع السلطة داخل الأسرة، وأنظمة للنسب تولي أهمية خاصة للسلالة الأبوية.

لا تُطبق جميع هذه القواعد في كل البلدان المسلمة. فقد أُصلح بعضها، ولا يزال بعضها الآخر نافذاً، بينما يخضع بعضها لنقاشات مستمرة.

لكن الاعتراف بهذا التنوع لا ينبغي أن يكون وسيلة لتجنب سؤال محرج: هل تتوافق هذه التفاوتات القانونية مع مبدأ تمتع الرجل والمرأة بالحقوق نفسها؟

 

لا يمكن أن يكون التقليد جواباً كافياً

قد تكون لقاعدة ما وظيفة معينة في مجتمع تاريخي، ومع ذلك يصبح الدفاع عنها صعباً عندما تتغير الظروف الاجتماعية. إن قدم القاعدة يفسر تاريخها، لكنه لا يثبت عدالتها بحد ذاته.

مشكلة اعتبار التفسير الديني غير قابل للتغيير

تظهر إحدى أكبر الصعوبات عندما تُعتبر بعض التفسيرات الدينية ثابتة وغير قابلة للتغيير لأنها تُفهم باعتبارها أوامر إلهية.

إذا قُدمت قاعدة ما باعتبارها قراراً بشرياً، فيمكن مناقشتها أو تعديلها أو إلغاؤها من خلال الإجراءات القانونية. أما إذا اعتُبر التشكيك فيها تشكيكاً في إرادة

الله، فقد يتحول النقاش إلى قضية دينية تجعل الإصلاح أكثر صعوبة.

السؤال الذي ينبغي للإسلام التقليدي أن يواجهه

في نهاية المطاف، لا يتعلق النقاش بوضع جميع المسلمين في مواجهة جميع الأوروبيين، بل بدراسة قواعد محددة بصورة نقدية، والتساؤل عما إذا كان من الممكن التوفيق بينها وبين مفهوم للمواطنة يقوم على المساواة أمام القانون.

 

لا يجوز أن تعتمد مساواة المرأة على ما إذا كان تفسير ديني معين يرى أن من المناسب الاعتراف بها. بل يجب أن تكون حقاً يضمنه القانون.

إن التعايش الحقيقي بين أوروبا والجاليات المسلمة لا يتطلب اختفاء الدين، بل يتطلب أن تتعايش الاختلافات الدينية ضمن إطار مشترك من الحقوق الأساسية، بحيث لا تتمتع أي امرأة بحرية أقل أو حماية أضعف أو قدرة قانونية أدنى لمجرد كونها امرأة.

ويتمثل التحدي أمام الإسلام التقليدي في إثبات قدرته على مراجعة التفسيرات التي تتعارض مع هذا المبدأ. أما التحدي الأوروبي فيتمثل في الدفاع عن المساواة بصورة متسقة، من دون التمييز ضد المسلمين أو تحويل نقد الدين إلى عداء تجاه أتباعه.