داخل عقل الإرهابي: كيف يفكّر الإرهابي وما الدوافع التي تحرّكه؟
كيف يمكن لشخص أن يقتنع بأن قتل إنسان آخر قد يكون فعلًا صالحًا وضروريًا ودينيًا؟
هذا أحد أصعب الأسئلة عندما نتحدث عن الإرهاب الإسلاموي.
بعد وقوع هجوم إرهابي، نفعل عادةً أمرين. أولًا، ندين الجريمة، وهذا واجب. ثم نحاول معرفة من كان الإرهابي، ومن أين أتى، وما الذي حدث في حياته، وما التنظيم أو الأيديولوجيا التي تقف وراءه.
لكننا كثيرًا ما نبقى عند السطح. نقول إنه كان متعصبًا، أو إنه تعرّض للت radicalization، أو إنه كان يكره الغرب، أو إنه أراد الموت. وقد يكون كل ذلك صحيحًا.
إن الدخول إلى عقل إرهابي إسلاموي في أوروبا يتطلب التخلي عن المنطق الغربي المعتاد والتعمق في منظومة تفكير مغلقة ومتطرفة ومسيّسة بعمق. ولكي نفهم لماذا ينفّذ هؤلاء الهجمات ويقتلون، علينا تحليل ما يدور في أذهانهم، ومناقشة السؤال مباشرةً ومن دون رقابة: هل تكمن المشكلة في الرسالة الأصلية للإسلام أم في التلاعب بها؟
ولفهم ظاهرة الإرهاب الجهادي على الأراضي الأوروبية، لا بد من القيام بتمرين صعب لكنه ضروري: الدخول إلى الآلية الذهنية لمن يرتكبونه، وتحليل العوامل التي تستغلها الجماعات المتطرفة، وطرح السؤال المزمن بلا خوف أو رقابة: هل تكمن المشكلة في الرسالة الأصلية للدين أم في تحريفها؟
علينا أن نحاول فهم طريقة تفكيرهم، لا لتبريرها، بل لاستيعابها. فإذا لم نفهم كيف تتكوّن هذه العقلية، فسيصعب علينا فهم كيفية الوقاية منها.
الإرهابي لا يبدأ عادةً برغبة في القتل
هذه أول فكرة ينبغي فهمها. فالتطرّف لا يسلك مسارًا واحدًا، ولا توجد «شخصية إرهابية» يمكن من خلالها التعرّف تلقائيًا إلى من سينتهي به الأمر إلى ارتكاب هجوم.
تُظهر دراسات التطرّف مسارات مختلفة. وقد حدّد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) ثلاثة عناصر كبرى تتكرر كثيرًا: الشعور بالمظلومية، والسردية الأيديولوجية، والتعبئة. لكنه يحذّر أيضًا من أنها لا تشكّل تسلسلًا آليًا؛ فبعض الأشخاص يتراجعون عن المسار، وآخرون يغيّرون اتجاههم، بينما يصل غيرهم إلى العنف بسرعة.
يمكننا تخيّل الأمر على النحو التالي: لديّ مشكلة. أشعر بالغضب. أعتقد أن هناك من يتحمّل المسؤولية. أبدأ برؤية العالم بطريقة مختلفة. أجد أيديولوجيا تفسّر غضبي. أجد عدوًا. أبدأ بالتفكير في أن العنف قد يكون مبررًا. وفي النهاية، قد يقنعني شخص ما بأن القتل واجب.
لا يسلك الجميع هذا الطريق، لكن هذا التسلسل يساعدنا على فهم جانب من العملية.
قد يبدأ كل شيء بالشعور بالظلم
لنتخيّل شابًا يشعر بأن حياته لا تسير على ما يرام. قد يشعر بالرفض أو يكون قد تعرّض للتمييز، وقد يعاني مشكلات عائلية، أو يعجز عن العثور على عمل، أو يشعر بالإهانة، أو يمرّ بأزمة شخصية ولا يجد لها تفسيرًا.
وقد يتابع أيضًا النزاعات الدولية ويشعر بغضب شديد إزاء ما يعتبره ظلمًا واقعًا على المسلمين.
تبدأ المشكلة عندما يشرع الشخص في تفسير جميع هذه المشكلات من خلال تفسير واحد: «كل ما يحدث لي سببه أنهم يكرهوننا».
عندها تبدأ نظرته إلى العالم بالتغيّر، وتتحوّل المشكلة الشخصية إلى مشكلة جماعية.
من «لديّ مشكلة» إلى «نحن في حرب»
هذا أحد أهم التحوّلات.
قد يبدأ الشخص بالتفكير: «حياتي ظالمة»، ثم «المجتمع يرفضني»، وبعد ذلك «نحن المسلمين نتعرّض للرفض»، وأخيرًا «الغرب يشنّ حربًا على الإسلام».
لقد تغيّرت طبيعة المشكلة: لم تعد هناك مشكلة شخصية، بل حرب. وإذا كانت هناك حرب، فلا بدّ من وجود عدو.
وقد وصف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي هذه الوظيفة للسردية المتطرفة تحديدًا: تحويل مظالم متفرقة إلى قصة مواجهة بين «نحن» و«هم».
ظهور «نحن» و«هم»
يبدأ العالم بالانقسام إلى معسكرين.
نحن: المسلمون، والمؤمنون، والمدافعون عن الإسلام، ومن يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة، ومن يرون أنفسهم ضحايا.
هم: الغرب، و«الكفار»، ومن ينتقدون الإسلام، والحكومات، ومن يدعمون حكومات تُعدّ معادية.
وهنا يحدث أمر خطير: يتوقف الفرد عن رؤية أشخاص، ويبدأ في رؤية جماعات. فالمواطن الذي يعيش في مدريد أو باريس أو برشلونة قد لا يعود يُرى بوصفه «إنسانًا يعيش في هذه المدينة»، بل بوصفه «واحدًا منهم».
هذا التحوّل أساسي، لأن قتل شخص أصعب بكثير عندما نراه فردًا، مقارنةً برؤيته عضوًا في جماعة حوّلناها إلى عدو.
لم يعد العدو إنسانًا
هنا تظهر عملية نزع الصفة الإنسانية. فبدلًا من أن يفكّر الإرهابي: «سأقتل أشخاصًا»، يبدأ بالتفكير: «سأهاجم العدو».
قد يبدو الفرق بسيطًا، لكنه هائل من الناحية النفسية. فالعبارة الأولى تتحدث عن أشخاص، أما الثانية فتتحدث عن فئة مجرّدة.
عندما يتوقف المرء عن رؤية الأفراد ولا يعود يرى سوى تصنيفات جماعية، يصبح تبرير العنف ضدهم أسهل.
لهذا تحاول الدعاية المتطرفة تصوير العدو على أنه تهديد جماعي: «إنهم جميعًا جزء من المشكلة».
وعندما يصبح الجميع جزءًا من المشكلة، يمكن أن يتحوّل أي فرد من تلك الجماعة إلى هدف.
جاذبية الخلاص: من الصفر إلى البطولة
يجد كثير من المهاجمين في أوروبا — ومنهم شبان لديهم سوابق في جرائم عادية، أو يعانون الإحباط الاجتماعي، أو أزمات الهوية، أو يشعرون بأنهم ضحايا للعنصرية — في الجهادية فرصةً للبدء من جديد ومحو الماضي. وتتيح لهم الأيديولوجيا الانتقال من أشخاص مهمّشين بلا مستقبل إلى نخبة مختارة من الله: جنود في قضية كونية.
لكن هناك عنصرًا آخر: التبرير الأخلاقي
نصل هنا إلى واحدة من أهم النقاط.
قد يكون الشخص غاضبًا، أو يكره حكومة، أو يشعر بالإهانة، بل قد يكره جماعات معينة أيضًا، لكن ذلك لا يعني أنه سيقتل. لا بدّ من خطوة أخرى: أن ينجح في جعل العنف يبدو مقبولًا من الناحية الأخلاقية.
قد يقتل المجرم العادي من أجل المال أو الانتقام أو الغيرة أو المصلحة. أما الإرهابي الأيديولوجي فيحتاج إلى شيء إضافي: أن يعتقد أنه يفعل شيئًا من أجل قضية أسمى. وهنا تظهر الأيديولوجيا الدينية.
وعد المكافأة في الآخرة
يتراجع الخوف من الموت لأن الدعاية تغرس في أذهانهم يقينًا مطلقًا بأن الموت أثناء القتل باسم تلك الأيديولوجيا يضمن دخول الجنة فورًا، فتحوّل الانتحار إلى انتصار نهائي.
الأيديولوجيا تحوّل الغضب إلى رسالة
قد تقدّم الأيديولوجيا الدينية المتطرفة إجابات بسيطة جدًا عن مشكلات معقّدة.
لماذا أعاني؟ لأنهم يهاجموننا.
لماذا يعاني مجتمعنا الإسلامي؟ لأن أعداءنا يريدون تدميرنا.
ماذا ينبغي أن نفعل؟ أن نقاتل.
وهنا يحدث تحوّل مهم جدًا.
فبدلًا من أن يشعر الشخص بأنه ضحية فحسب، قد يبدأ بالشعور بأنه صاحب دور محوري: لديه رسالة، وعدو، وقضية، وجماعة ينتمي إليها، وفي بعض الحالات مكافأة دينية يتخيّلها.
هنا يأتي دور الإسلام
نصل الآن إلى السؤال الذي كثيرًا ما يجري تجنّبه:
ما الدور الذي يؤديه الإسلام فعلًا في كل هذا؟
هناك إجابتان سهلتان.
الأولى: «الإسلام يسبّب الإرهاب».
والثانية: «الإرهاب لا علاقة له بالإسلام إطلاقًا».
كلتا الإجابتين مبسّطة أكثر من اللازم.
لو كانت الإجابة الأولى صحيحة، لكان ينبغي أن يتحوّل ملايين المسلمين الذين يمارسون دينهم إلى إرهابيين.
لكن الإجابة الثانية تنطوي أيضًا على مشكلة. فالحركات الجهادية تستخدم عمدًا مفاهيم ونصوصًا ورموزًا وإشارات من التراث الإسلامي لبناء تبريرها للعنف.
لذلك لا يمكننا دراسة الجهادية من دون دراسة التأويل الديني الذي تستند إليه.
أما السؤال الأكثر أهمية فهو: ما عناصر الفكر الإسلامي التي يمكن تأويلها بطريقة تتيح تبرير العنف؟ هذا سؤال أصعب بكثير، وأكثر أهمية.
النص لا يعمل بمفرده
لا يحوّل الكتاب شخصًا تلقائيًا إلى إرهابي. فقد يقرأ شخص نصًا دينيًا ويفهمه بطريقة، بينما يفهمه آخر بطريقة مختلفة، وقد يرى ثالث أن أجزاءً معينة منه مرتبطة بسياق تاريخي محدّد.
وينطبق هذا على الإسلام وأيديولوجياته أيضًا.
فالإرهابي لا يتلقّى رسالة وينفّذها ببساطة، بل يبني تأويلًا لها. وقد يتأثر هذا التأويل بالدعاة والجماعات والدعاية والإنترنت والأصدقاء والنزاعات الدولية والتجارب الشخصية.
إذًا، هل الأمر مجرد سوء تأويل؟
لا يمكن أن تكون الإجابة بسيطة تمامًا هنا أيضًا.
قد لا يكون القول إن «كل ما يحدث مجرد سوء تأويل» كافيًا.
فإذا كانت بعض التأويلات العنيفة تظهر مرارًا، فعلينا أن نسأل لماذا تجد حججًا داخل تقليد ديني تُستخدم للدفاع عنها.
وهناك سؤال أكثر إزعاجًا ينبغي طرحه: هل يمتلك الإسلام أدوات وقوى داخلية كافية لرفض التأويلات التي تتيح تبرير العنف رفضًا واضحًا ونهائيًا؟
هنا يبدأ النقاش الحقيقي.
أهمية الهوية
هناك عنصر آخر كثيرًا ما ننساه. يحتاج الإنسان إلى الشعور بأنه شخص له قيمة، وإلى الانتماء، وإلى تفسير يجيب عن سؤال من يكون.
قد تمنح الأيديولوجيا المتطرفة الشخص هوية جديدة. فبعد أن كان «شابًا تائهًا بلا اتجاه»، قد يصبح «مدافعًا عن الإسلام».
وقد يكون هذا التغيير قويًا جدًا من الناحية النفسية. فهو لم يعد شخصًا ضائعًا؛ بل أصبح ينتمي إلى شيء ما، ولديه رسالة ورفاق وأعداء وتفسير لحياته.
ويشير تحليل حديث أجرته يوروبول (Europol) إلى أن العنف قد يتحوّل لدى بعض مرتكبي الهجمات الحاليين إلى وسيلة للحصول على الهوية والاعتراف والانتماء.
لقد غيّر الإنترنت مسار العملية
في الماضي، كان على الشخص الذي يتجه نحو التطرّف أن يلتقي بأشخاص آخرين وجهًا لوجه. أما اليوم، فيستطيع العثور عليهم من غرفته، وقضاء ساعات في مشاهدة الدعاية، والدخول إلى مجتمعات مغلقة، وتلقّي محتوى يزداد تطرفًا مع الوقت.
وقد حذّرت يوروبول من نمو بيئات إلكترونية تسهّل التطرّف والتعبئة، ولا سيما بين الشباب، ومن دور المجتمعات الرقمية في نشر السرديات المتطرفة.
ينشأ عن ذلك نوع من الفقاعة: يسمع الشخص فكرة، فيقترح عليه الإنترنت عشرة محتويات تبدو وكأنها تؤكدها.
ثم يجد مئة محتوى آخر، وقد ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأن «الجميع يعرف أن هذا صحيح»، بينما هو في الواقع يعيش داخل بيئة تعيد إليه الرؤية نفسها باستمرار.
اللحظة الحاسمة: عندما يتوقف العنف عن الظهور بوصفه جريمة
ربما تكون هذه أخطر لحظة. في البداية: «القتل خطأ». ثم: «لكنهم يقتلون المسلمين». ثم: «هم من بدأوا». ثم: «علينا الدفاع عن أنفسنا». ثم: «المدنيون مسؤولون أيضًا». وأخيرًا: «قتلهم عدالة».
تكون الحدود الأخلاقية قد تحرّكت؛ فما كان يُعدّ قتلًا قد يظهر الآن في صورة دفاع أو انتقام أو عدالة أو واجب أو استشهاد.
وهذا التحوّل الأخلاقي أهم بكثير من مجرد وجود معتقد ديني، لأن الشخص قد يحمل معتقدات دينية متشددة من دون أن يمارس العنف. ولكي يصل إلى تنفيذ هجوم، لا بدّ أيضًا من أن يقبل العنف.
هل جميع الإرهابيين مؤمنون حقيقيون؟
لا. وهذه نقطة مهمة أيضًا.
أشارت يوروبول في تحليلها لعام 2026 إلى أن بعض مرتكبي الإرهاب الجهادي لا يمتلكون سوى فهم سطحي للأيديولوجيا، وأن المظالم الشخصية والانبهار بالعنف قد يكونان العاملين الأبرز في بعض الحالات.
وهذا يهدم صورة نمطية أخرى. فليس كل ما نواجهه شخصًا درس القرآن بعمق طوال عشرين عامًا.
أحيانًا نجد مزيجًا أكثر التباسًا: مشكلات شخصية + هوية + إنترنت + كراهية + دعاية + افتتان بالعنف + أيديولوجيا.
إذًا، لماذا يقتل؟
لا توجد إجابة واحدة. لكن يمكننا بناء تفسير مبسّط.
لو كان الفقر وحده هو السبب، لكان لدينا ملايين الإرهابيين الفقراء.
ولو كان التمييز وحده هو السبب، لكان لدينا ملايين الإرهابيين الذين تعرّضوا للتمييز.
ولو كان الدين وحده هو السبب، لكان لدينا ملايين الإرهابيين المتدينين.
لكن أيًا من هذه الأمور لا يحدث. لذلك لا يمكن تفسير الإرهاب بعامل واحد.
إنه مزيج من عناصر: قصة شخصية، وسياق، وهوية، وأيديولوجيا، وفي بعض الحالات تأويل ديني يحوّل العنف إلى أمر مقبول.
الفهم لا يعني التبرير
ينبغي أن يكون هذا التمييز واضحًا تمامًا.
إن فهم سبب قتل شخص ما لا يعني تبريره، كما أن فهم الإرهاب الجهادي لا يعني الدفاع عنه.
لكن إذا لم نحاول فهم كيفية تشكّل العقلية الإرهابية، فلن نتمكن إلا من ردّ الفعل بعد وقوع الهجوم. إن الفهم أداة للوقاية.
الخلاصة المقلقة
ربما لا يكون السؤال الأهم هو: «هل الإسلام عنيف؟» فهذا سؤال واسع أكثر من اللازم.
وكذلك السؤال: «ألا علاقة للإرهاب بالإسلام إطلاقًا؟» فهذه الإجابة غير كافية أيضًا.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: ما عناصر التراث الإسلامي التي يمكن استخدامها لتبرير العنف؟
ثم: هل يمكن أن يوجد إسلام أوروبي يرفض العنف الديني رفضًا قاطعًا، ويقبل حرية ترك الإسلام، والمساواة بين الرجال والنساء، وحرية التعبير، وسيادة القانون المدني؟
لا ينبغي حسم الإجابة عن هذا السؤال بالشعارات. بل يجب مناقشته ودراسته، وأن تكون الآراء المطروحة قابلة للدفاع والنقد. والأهم من ذلك، ينبغي أن يكون بالإمكان الإجابة عنه من داخل العالم الإسلامي نفسه أيضًا.
فلعل القضية الأساسية بالنسبة إلى أوروبا لا تقتصر على كيفية مكافحة الإرهابي، بل تشمل أيضًا فهم الأفكار التي تجعل شخصًا ما يعتقد أن قتل إنسان آخر يمكن أن يكون فعلًا صحيحًا من الناحية الأخلاقية.
وإذا أردنا منع تكرار ذلك، فعلينا أن نجرؤ على النظر مباشرةً إلى هذه العملية، من دون كراهية أو خوف أو تبسيط مخلّ، ولكن أيضًا من دون فرض رقابة على الأسئلة الصعبة.
