لفهم الإسلام في أوروبا، يجب النظر إلى جذوره
لفهم الإسلام في أوروبا، يجب أن ننظر إلى ما وراء الحدود الأوروبية.
فالإسلام الذي نجده اليوم في أوروبا لم ينشأ في أوروبا. إذ تعود جذور أفكاره وتياراته الدينية ومؤسساته وقادته والعديد من أشكال تنظيمه إلى بلدان يشكل المسلمون فيها أغلبية السكان.
لذلك، إذا أردنا أن نفهم بشكل صحيح نوع الإسلام الذي يصل إلى أوروبا، ومن أين يأتي، ومن يمثله، وما التأثير الذي يمكن أن يمارسه، فعلينا أولًا أن نعرف ما يحدث في بلدان منشئه.
لا يوجد إسلام واحد، بل توجد تيارات ومدارس دينية ومنظمات وتفسيرات مختلفة. كما توجد اختلافات كبيرة بين البلدان. فالإسلام في مصر ليس مطابقًا تمامًا للإسلام في الجزائر أو المغرب أو المملكة العربية السعودية أو تركيا أو دول الخليج.
إضافة إلى ذلك، لا يعمل الدين دائمًا بمعزل عن السلطة. ففي العديد من البلدان الإسلامية، تحافظ المؤسسات الدينية على علاقات مهمة مع الدولة والحكومات والمؤسسات العسكرية ورجال الأعمال ومختلف المنظمات الاجتماعية. ويمكن لهذه العلاقات أن تؤثر في طريقة تفسير الإسلام ونقله إلى الآخرين.
وقد يصل جزء من هذا التأثير إلى أوروبا عبر المساجد والجمعيات والمنظمات الدينية والتمويل والمراكز التعليمية والقادة الدينيين والشبكات الدولية ومجتمعات المهاجرين.
لذلك، فإن دراسة الإسلام في أوروبا دون دراسة جذوره أيضًا قد تؤدي إلى رؤية غير مكتملة.
ليس السؤال فقط: «ما نوع الإسلام الموجود في أوروبا؟»
بل ينبغي لنا أيضًا أن نتساءل: من أين يأتي؟ من يموله؟ من يمثله؟ ما المؤسسات التي تقف وراءه؟ ما التيار الديني الذي يدافع عنه؟ ما علاقته بالسلطة السياسية في بلد منشئه؟ وكيف يتغير عندما يصل إلى أوروبا؟
في هذه السلسلة من المقالات، سنحلل هذه المنظومة تحديدًا.
سندرس، بلدًا بعد بلد، المؤسسات الدينية والتيارات الرئيسية والجهات التي تمتلك النفوذ داخلها، وكيفية تمويلها، وعلاقاتها بالسياسة ورجال الأعمال وغيرها من هياكل السلطة، والروابط التي قد تكون قائمة بينها وبين أوروبا.
الهدف هو معرفة الجذور لفهم الحضور الإسلامي في أوروبا بصورة أفضل. فلكي نتعامل بشكل صحيح مع أي ظاهرة، علينا أولًا أن نفهم كيفية عملها، ومن أين جاءت، ومن هم أبرز الفاعلين فيها.
الدين والدولة والجيش ورجال الأعمال والنفوذ الخارجي
تتأثر منظومة السلطة الإسلامية في الجزائر بعمق بتاريخها الحديث. فعلى خلاف بلدان أخرى يمثل فيها الدين إحدى أدوات الحكم، تُعد السيطرة على الشأن الديني في الجزائر مسألة تتعلق بالأمن القومي وبقاء الدولة، بسبب الصدمة التي خلفتها الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، المعروفة باسم «العشرية السوداء»، والتي شهدت مواجهة بين الجيش وجماعات مسلحة إسلامية متطرفة.
في الجزائر، ليس الإسلام مجرد قوة تسعى إلى السيطرة على الدولة، بل هو أيضًا أداة تستخدمها الدولة نفسها للسيطرة على المجال الديني وتنظيمه.
ينص الدستور على أن الإسلام دين الدولة، وينشئ المجلس الإسلامي الأعلى المرتبط برئاسة الجمهورية. كما تمول الدولة المساجد وتدفع رواتب الأئمة وغيرهم من العاملين في المجال الديني.
من يسيطر فعليًا على الإسلام في الجزائر؟
عندما نتحدث عن السلطة الإسلامية في الجزائر، قد نقع في خطأ منذ البداية، إذ قد نتخيل وجود كتلة كبيرة تسمى «السلطة الإسلامية» تسعى إلى السيطرة على الدولة.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير. ففي الجزائر، يندمج الإسلام بعمق في مؤسسات الدولة. وينص الدستور على أن «الإسلام دين الدولة»، لكن النظام السياسي يفرض في الوقت نفسه سيطرة قوية على المؤسسات الدينية.
لذلك، لا يقتصر السؤال المهم على: ما مقدار السلطة التي يمتلكها الإسلام في الجزائر؟ بل ينبغي أن نسأل: من يسيطر على الإسلام؟ ومن يسيطر على الدولة؟ وكيف تتفاعل السلطتان؟
وهنا يظهر فاعل ثالث أساسي: الجيش.
لفهم الجزائر، يجب تحليل الجهات التالية مجتمعة:
رئاسة الجمهورية، والجيش، والأجهزة الأمنية، ووزارة الشؤون الدينية، والمجلس الإسلامي الأعلى، والمساجد، والأئمة، ورجال الأعمال، وقطاع المحروقات، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني.
والنتيجة هي إحدى أكثر منظومات السلطة تعقيدًا في منطقة المغرب العربي.
الجزائر: دولة يشكل الإسلام جزءًا من هويتها الوطنية
ليست الجزائر دولة علمانية بالمعنى الفرنسي الأكثر صرامة. فالإسلام يتمتع بمكانة دستورية خاصة. وينص الدستور على أنه دين الدولة، كما ينص على وجود مجلس إسلامي أعلى مرتبط برئاسة الجمهورية. وهذا يعني أن الدين يشكل جزءًا من الهوية الرسمية للدولة.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بينها وبين البلدان التي تتمتع فيها المنظمات الدينية باستقلالية أكبر بكثير، إذ تسيطر الدولة الجزائرية على جزء كبير من البنية التحتية الدينية.
لا يتعلق الأمر بدولة من جهة ودين من جهة أخرى، بل بدولة ودين مؤسسي.
من يحكم؟
في النظام السياسي الحالي، يمثل الرئيس عبد المجيد تبون الشخصية المركزية. لكن تحليل الجزائر انطلاقًا من مؤسسة الرئاسة وحدها لا يكفي.
فقد كان الجيش، على مدى عقود، أحد أبرز مراكز السلطة في البلاد. ومنذ الاستقلال عن فرنسا عام 1962، أدت القوات المسلحة دورًا أساسيًا في بنية النظام السياسي الجزائري.
ويرى الجيش نفسه أحد أهم حماة السيادة والدولة والاستقرار والأمن القومي.
وقد أشارت تحليلات مختلفة للسياسة الجزائرية إلى أن العلاقات بين مؤسسة الرئاسة والجهاز العسكري لا تزال أساسية لفهم القرارات الاستراتيجية للبلاد.
الجيش: القوة الكبرى غير المرئية
يوجد في الجزائر فرق مهم بين السلطة الدستورية والسلطة الفعلية.
فمن الناحية الدستورية، يحتل الرئيس موقعًا مركزيًا. لكن الجيش امتلك تاريخيًا القدرة على التأثير الحاسم في معظم الملفات. ولذلك يرى بعض المحللين أن النظام الجزائري لا يمكن فهمه دون تحليل العلاقة بين الرئاسة والجيش.
الحراك غيّر ميزان القوى
في عام 2019، خرج ملايين الجزائريين إلى الشوارع. وأدى الحراك الشعبي في نهاية المطاف إلى رحيل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
لكن الاحتجاجات لم تطالب بتغيير الرئيس وحده، بل شككت أيضًا في النخبة السياسية والنظام والفساد والنفوذ العسكري.
وكانت النتيجة انتقالًا سياسيًا خاضعًا للسيطرة.
وصل عبد المجيد تبون إلى الرئاسة، لكن الجيش ظل فاعلًا مركزيًا. وقد وصفت بعض التحليلات الأوروبية انتخاب تبون بأنه إعادة تشكيل لسلطة النخبة السياسية والعسكرية، أكثر من كونه قطيعة كاملة مع النظام السابق.
أين يأتي دور الإسلام؟
هنا يبدأ الجانب الأكثر إثارة للاهتمام.
تهتم الدولة الجزائرية بشدة بالسيطرة على المجال الديني. لماذا؟
لأن الجزائر شهدت واحدة من أكثر تجارب الأسلمة السياسية إيلامًا في أواخر القرن العشرين.
الحرب الأهلية في التسعينيات
أدى الصراع بين الدولة ومختلف الجماعات الإسلامية والجهادية إلى عنف هائل، وترك تجربة عميقة الأثر في المجتمع.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الدولة الجزائرية تنظر إلى التطرف الديني أيضًا باعتباره مشكلة تتعلق بالأمن القومي.
الدولة استخلصت درسًا
يمكن تلخيص الدرس الذي استخلصته الدولة على النحو التالي: عدم السماح بخروج المجال الديني بالكامل عن سيطرة الدولة.
ولهذا السبب، طورت الجزائر بنية مؤسسية قوية تشمل المساجد والأئمة والخطب والتكوين الديني والجمعيات والفتاوى والتعليم الإسلامي.
وزارة الشؤون الدينية
تُعد وزارة الشؤون الدينية والأوقاف أحد الفاعلين الرئيسيين. وتؤدي دورًا أساسيًا في إدارة الإسلام المؤسسي.
ومن بين مهامها الإشراف على المساجد، وإدارة شؤون العاملين في المجال الديني، والمشاركة في تكوين الأئمة، وإدارة الممتلكات الدينية، وتنظيم الأنشطة الدينية، والتدخل في مسائل العقيدة الرسمية.
وهناك عنصر أساسي آخر: الدولة هي التي تدفع رواتب الأئمة.
تنص القواعد المنظمة على أن وزارة الشؤون الدينية تقدم دعمًا ماليًا للمساجد وتدفع رواتب الأئمة وغيرهم من العاملين في المجال الديني، بما في ذلك الاستحقاقات الاجتماعية.
ويترتب على ذلك أمر مهم للغاية: فإمام المسجد ليس مجرد قائد ديني مستقل، بل هو جزء من بنية مؤسسية.
الإمام بوصفه موظفًا تابعًا للدولة
تميز هذه الخاصية الجزائر عن العديد من المنظومات الإسلامية الأخرى.
فالدولة تختار الأئمة، وتؤهلهم، وتراقبهم.
وتنص التشريعات على أن الأنشطة الدينية المحددة داخل المساجد لا يجوز أن يتولاها إلا الأئمة المرخص لهم من الحكومة.
وبالتالي، فإن السلسلة التالية أساسية لفهم النظام:
المسجد ← الإمام ← وزارة الشؤون الدينية ← الدولة
خطبة الجمعة
تُعد خطبة الجمعة إحدى أكثر المساحات حساسية. لماذا؟
لأن المسجد قد يجمع مئات الأشخاص أو آلافهم، ولأن الخطيب يستطيع التأثير في الآراء والسلوكيات والمواقف السياسية والهوية والنزاعات الاجتماعية.
ولهذا تفرض الدولة رقابة قوية على محتوى الخطاب الديني.
وتسمح التشريعات للدولة بالتدخل في أنشطة المساجد ومعاقبة بعض أشكال الوعظ غير المرخص به.
المجلس الإسلامي الأعلى
يمثل المجلس الإسلامي الأعلى فاعلًا أساسيًا آخر. وينص الدستور على وجود هذه الهيئة إلى جانب رئاسة الجمهورية.
وتشمل مهامه إبداء الآراء بشأن المسائل الدينية ورفع التقارير إلى الرئيس.
ويعين الرئيس أعضاء المجلس.
وهذا أمر بالغ الأهمية، لأنه يوضح أن أعلى سلطة دينية مؤسسية لا تعمل بوصفها سلطة مستقلة عن الدولة.
وماذا عن الفتاوى؟
توجد أيضًا بنية رسمية معنية بالفتاوى.
في عام 2025، ترأس وزير الشؤون الدينية اجتماعًا للجنة الوزارية للفتوى خُصص للتحديات الرقمية ودور العلماء والأئمة في مواجهة التفسيرات التي تُعتبر مخالفة للمرجعية الدينية الوطنية.
وهذا يوضح أن الدولة لا تريد ترك ساحة التفسيرات الدينية مفتوحة بالكامل أمام الجميع، بل تسعى إلى حماية ما تسميه «المرجعية الدينية الوطنية».
ما المرجعية الدينية الجزائرية؟
هنا نجد مفهومًا أساسيًا آخر: تحاول الجزائر تعزيز هوية دينية وطنية.
وترتبط هذه الهوية تقليديًا بالإسلام السني، والمذهب المالكي، والتقاليد الدينية المغاربية، وبعض التفسيرات التي تعتبرها الدولة الجزائرية متوافقة مع نموذجها.
والهدف هو منع الحركات الدينية الأجنبية من الاستحواذ الكامل على المجال الديني.
الخوف من التأثيرات الأجنبية
لدى الجزائر تاريخ معقد مع مختلف التيارات الإسلامية.
ولهذا تراقب الدولة عن كثب، على وجه الخصوص:
السلفية، والإسلام السياسي، والجهادية، والتمويل الأجنبي، والدعاة الأجانب، والمطبوعات الدينية المستوردة.
وتفرض التشريعات قيودًا على التمويل الأجنبي للجمعيات الدينية واستيراد بعض المواد الدينية.
الجزائر لا تريد تكرار عام 1991
لفهم السياسة الدينية الحالية، يجب تذكر الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS).
في عام 1991، حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ انتصارًا انتخابيًا مهمًا. لكن المسار الانتخابي توقف، ثم جاءت سنوات من العنف.
وانتهى الصراع إلى حرب بين الدولة والجماعات الإسلامية المسلحة.
كانت النتيجة صدمة عميقة.
ولهذا طورت الدولة الجزائرية سياسة يمكن تلخيصها بعبارة: «لن يتكرر ذلك أبدًا».
الإسلام السياسي بعد الحرب
منذ ذلك الحين، حاول النظام السياسي منع أي حركة دينية من التحول إلى بنية قادرة على تحدي الدولة من جديد.
ويحظر الدستور والقوانين إنشاء أحزاب سياسية قائمة على أساس ديني.
لكن هذا لا يعني أن الدين اختفى من السياسة، بل على العكس تمامًا.
فالدين لا يزال جزءًا مهمًا من الهوية الوطنية والشرعية والخطاب العام، غير أن الدولة تحاول الاحتفاظ بزمام المبادرة.
المفارقة الكبرى في النظام الجزائري
هنا تظهر مفارقة لافتة: تسيطر الدولة على الإسلام تحديدًا لأنها تعتبره قوة قد تشكل خطرًا سياسيًا.
ولهذا تسيطر على المساجد، والأئمة، والتكوين، وجزء من المنشورات، والتمويل، والمؤسسات الدينية.
والهدف المعلن هو حماية الاستقرار، لكن النتيجة أيضًا هي نشوء إسلام مؤسسي يعتمد بدرجة كبيرة على الدولة.
وماذا عن رجال الأعمال؟
هنا ينبغي التمييز بين عالمين.
الاقتصاد الرسمي
تضم الجزائر شركات عامة واستراتيجية كبرى، ولا سيما سوناطراك وسونلغاز، إلى جانب العديد من الشركات المرتبطة بالدولة.
ولا يزال قطاع المحروقات عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الجزائري. ففي الفترة بين عامي 2020 و2024، مثّل هذا القطاع نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي، و84% من الصادرات، وما يقارب نصف الإيرادات الحكومية.
سوناطراك
إذا أردنا فهم القوة الاقتصادية الجزائرية، فعلينا النظر إلى شركة الطاقة الحكومية، التي تُعد إحدى أكبر المؤسسات الاقتصادية في البلاد.
فالنفط والغاز يوفران الإيرادات والعملات الأجنبية والقدرة على الإنفاق العام والنفوذ الخارجي.
رجل الأعمال الجزائري والدولة
على مدى عقود، ارتبط النجاح التجاري في الجزائر ارتباطًا وثيقًا بالعلاقات مع الدولة والوزارات والشركات العامة والإدارة والشبكات السياسية.
وقد شهد النظام إصلاحات ويسعى إلى زيادة الاستثمار الخاص، لكن ثقل الدولة لا يزال هائلًا.
ويشير البنك الدولي إلى استمرار الدور المهم الذي تؤديه الشركات المملوكة للدولة في العديد من القطاعات.
الفساد بوصفه جزءًا من المنظومة
لفهم العلاقة بين السياسيين ورجال الأعمال والموظفين والشركات العامة، ينبغي أيضًا دراسة الفساد.
فبعد عام 2019، جرت ملاحقات قضائية طالت العديد من رجال الأعمال والشخصيات المرتبطة بدائرة السلطة القديمة للرئيس بوتفليقة.
وهذا يوضح أن الاقتصاد والسياسة لا يمكن تحليلهما بمعزل أحدهما عن الآخر.
ما علاقة كل ذلك بالإسلام؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن العلاقة ضعيفة، لكن الواقع مختلف.
فالدولة تحتاج إلى الشرعية، وفي الجزائر توجد عدة مصادر لها: القومية، وثورة التحرير بين عامي 1954 و1962، والجيش، والإسلام، والهوية العربية.
ويُعد الإسلام أحد مكونات هذه البنية.
الإسلام والقومية
لا تستند الهوية الجزائرية إلى الدين وحده.
فهناك أيضًا سردية وطنية قوية تقوم على أن الجزائر هزمت الاستعمار الفرنسي.
وتُعد حرب الاستقلال أحد أهم مصادر شرعية الدولة.
ولهذا يجمع النظام بين القومية والإسلام والسيادة والجيش.
وهذا المزيج مهم للغاية لفهم السياسة الجزائرية.
النفوذ الديني الخارجي
تستخدم الجزائر الدين أيضًا أداةً للدبلوماسية.
ومن الأمثلة على ذلك جامع الجزائر الكبير.
فجامع الجزائر ليس مجرد مبنى ديني، بل هو أيضًا رمز وطني ومركز ديني وأداة ثقافية وفضاء دبلوماسي.
وفي عام 2025، استقبل، على سبيل المثال، وزير الداخلية الإسباني وممثلين دبلوماسيين أجانب.
وهذا يوضح أن الجامع الكبير يؤدي أيضًا دورًا في الدبلوماسية الدينية.
الجزائر تريد أن تكون قوة دينية في المغرب العربي
يسعى النموذج الجزائري إلى تعزيز مرجعيته الدينية الخاصة وإبرازها خارج حدوده.
فعلى سبيل المثال، نظمت الجزائر في عام 2025 ملتقى دوليًا حول المذهب المالكي بمشاركة علماء من عدة بلدان إسلامية.
وهذا ليس مجرد نشاط لاهوتي، بل هو أيضًا شكل من أشكال القوة الناعمة.
تقول الجزائر من خلال ذلك: «نحن أيضًا مركز للمعرفة الدينية في منطقة المغرب العربي».
ماذا يحدث مع السلفيين؟
اضطرت الجزائر أيضًا إلى مواجهة تيارات سلفية مختلفة.
ومع ذلك، لدى الدولة الجزائرية مصلحة قوية في منع أي تيار ديني من التحول إلى بنية سياسية مستقلة قادرة على منازعة سلطتها.
أين تكمن السلطة الفعلية؟
يمكن تبسيط الصورة على النحو التالي:
في الجزائر، تخضع السلطة الدينية بدرجة أكبر بكثير للسلطة السياسية والأمنية مقارنة بما هو عليه الحال في بلدان إسلامية أخرى.
لسنا أمام نظام يحكم فيه العلماء الدولة، بل أمام نظام تحاول فيه الدولة إدارة المجال الديني.
وخلف الدولة توجد بنية للسلطة احتل فيها الجيش تاريخيًا موقعًا بالغ الأهمية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى أوروبا؟
يمكن أن تؤثر الجزائر في أوروبا من خلال عدة ملفات، منها:
الطاقة، والهجرة، والإرهاب، والأمن، والإسلام، واستقرار منطقة البحر الأبيض المتوسط.
ويعتبر الاتحاد الأوروبي الجزائر شريكًا مهمًا في مجالات الطاقة والاقتصاد والتجارة والأمن الإقليمي، كما وسّع التعاون معها في مجالي الهجرة ومكافحة الإرهاب.
الجالية الجزائرية في أوروبا
يعيش ملايين الأشخاص من أصول جزائرية في أوروبا.
ولا سيما في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وبلدان أخرى.
وهذا يخلق روابط عائلية واقتصادية وثقافية ودينية وسياسية.
النفوذ الديني
يمكن للجزائر أن تمارس نفوذًا دينيًا من خلال الأئمة والمؤسسات الدينية والمساجد والتكوين والدبلوماسية الدينية.
لكن نموذجها يختلف عن النموذج المغربي.
فقد طور المغرب استراتيجية واضحة وبارزة لتكوين الأئمة وممارسة الدبلوماسية الدينية، بينما تراهن الجزائر بدرجة أكبر على سيطرة الدولة على المرجعية الدينية الوطنية.
الخاتمة
الجزائر ليست دولة ثيوقراطية، ويجب أن تكون هذه النقطة واضحة تمامًا.
فالجزائر ليست دولة إسلامية بالمعنى التقليدي للكلمة.
إنها جمهورية يُعد الإسلام فيها دين الدولة، لكن الدولة تفرض سيطرة قوية على المؤسسات الدينية، ويشكل الإسلام جزءًا من بنيتها السياسية.
في الجزائر، لا تتمثل السلطة الإسلامية أساسًا في سيطرة رجال الدين على الدولة، بل في سيطرة الدولة على جزء كبير من المجال الديني واستخدام الإسلام عنصرًا من عناصر الهوية الوطنية والشرعية والاستقرار.
وقد نشأ هذا النموذج، إلى حد كبير، نتيجة التجربة المؤلمة في تسعينيات القرن الماضي.
فقد أدركت الدولة أن ترك المجال الديني مفتوحًا بالكامل قد يسمح بظهور قوة سياسية قادرة على منازعة السلطة.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الهدف هو:
السيطرة على المجال الديني قبل أن تسيطر عليه قوة أخرى.
ليس السؤال: «هل تستطيع الجزائر أسلمة أوروبا؟» فهذا سؤال مبسط أكثر من اللازم.
أما السؤال الأكثر أهمية فهو:
إلى أي مدى يمكن أن يصل نفوذ دولة تجمع بين الدين والجيش والطاقة والهجرة والدبلوماسية وجالية كبيرة في أوروبا؟
