الحجاب: القماش الذي يقسّم أوروبا
هناك أجزاء أو أشياء تبدو غير ذات أهمية، لكنها تملك القدرة على تقسيم عائلات وبرلمانات وقارات بأكملها؛ والحجاب هو أحدها.
نحن نتحدث عن منديل، قطعة قماش لا تتجاوز بضعة غرامات، ومع ذلك، فإن القليل من الرموز يُولد هذا القدر الكبير من النقاشات في أوروبا القرن الحادي والعشرين.
بالنسبة للبعض، يمثل الحرية الدينية؛ وبالنسبة لآخرين، هو رمز لعدم المساواة بين الرجل والمرأة؛ وبالنسبة لبعض المسلمين، هو واجب ديني؛ ولآخرين، هو تقليد ثقافي.
وبالنسبة لملايين الأوروبيين، يظل سؤالاً بلا إجابة: هل يمكن لديمقراطية ليبرالية أن تتعايش مع ثوب يعتبره الكثيرون غير متوافق مع المساواة؟
أهلاً بكم في نقاش القرن.
الأصل: قبل الإسلام بكثير
المفاجأة الأولى هي هذه: الإسلام لم يخترع الحجاب.
قبل النبي محمد بوقت طويل، كانت النساء يرتدين أنواعاً مختلفة من الأغطية والستائر في بلاد ما بين النهرين، وفارس، واليونان، والإمبراطورية الرومانية. منذ أكثر من 2500 عام، كان تغطية الرأس رمزاً للمكانة الاجتماعية، أو الحشمة، أو الانتماء الطبقي.
في الواقع، في بعض المجتمعات القديمة، كان يجب على النساء الحرائر تغطية رؤوسهن، بينما كان يُحظر ذلك على الإماء؛ أي أن الحجاب بدأ كنوع من “الزي الاجتماعي الموحد”.
وعندما ظهر الإسلام في القرن السابع، كانت العديد من هذه العادات موجودة بالفعل.
ماذا يقول الإسلام حقاً؟
هنا تبدأ واحدة من أكبر النقاشات في العالم الإسلامي.
يذكر القرآن الحشمة ويشير إلى استخدام “الخمار” (نوع من الرداء أو الغطاء)، لكنه لا يصف بدقة الحجاب الحديث كما نعرفه اليوم.
على مر القرون، فسر الفقهاء والمدارس الإسلامية تلك النصوص بطرق أكثر صرامة تدريجياً.
وهكذا وصلنا إلى القرن الحادي والعشرين، حيث نجد كل شيء تقريباً: نساء مسلمات لا يرتدين الحجاب، ونساء يستخدمْن الحجاب، ونساء يستخدمْن النقاب، ونساء يرتدين البرقع، ونساء يعتبرن أن أيّاً من هذه الملابس ليس واجباً.
وبعبارة أخرى: إذا جمعت عشرة مسلمين وسألتهم عن الحجاب، فستحصل على الأرجح على أحد عشر رأياً.
الحجاب يصل إلى أوروبا
لعقود طويلة، كان الحجاب يكاد يكون غير موجود في الشوارع الأوروبية؛ ومع ذلك، فإن الهجرة ونمو المجتمعات المسلمة غيرا المشهد العمراني لعدة مدن.
اليوم أصبح من المعتاد رؤيته في: مدريد، برشلونة، باريس، بروكسل، برلين، لندن. ومع وصوله، وصلت الأسئلة أيضاً.
المدافعون عنه
عادة ما يحتج المدافعون عن الحجاب بما يلي: “إنه اختيار شخصي”. وتؤكد العديد من النساء ارتدائه بحرية.
ويشرحون أنه: يشكل جزءاً من هويتهن، ويمنحهن راحة روحية، وهو تعبير عن إيمانهن، ويساعدهن على الشعور بالارتباط بمجتمعهن.
من هذه الزاوية، سيكون حظر الحجاب تناقضاً؛ لأن الديمقراطية الليبرالية تقوم بالتحديد على السماح للناس باتخاذ قرارات بشأن حياتهم الخاصة.
والسؤال بسيط: إذا كان بإمكان المرأة أن تقرر رسم وشم لتنين على ظهرها، فلماذا لا يمكنها أن تقرر وضع منديل على رأسها؟
النقاد يجيبون
ومع ذلك، هنا يظهر الوجه الآخر للنقاش؛ إذ يطرح العديد من النقاد قضية مزعجة: هل هو اختيار حر تماماً عندما تعاني ملايين النساء في العالم من ضغط اجتماعي، أو عائلي، أو حتى قانوني لارتدائه؟
لأن هناك واقعاً لا يمكن لأوروبا تجاهله؛ ففي دول مثل أفغانستان أو إيران، حاربت وما زالت تحارب ملايين النساء ضد فرض الحجاب، وهذا يغير طبيعة الحوار.
بالنسبة للعديد من الأوروبيين، المشكلة ليست في امرأة بالغة تقرر ارتداء الحجاب. المشكلة تظهر عندما: ترتديه فتيات في السادسة أو السابعة من العمر، أو يوجد ضغط عائلي، أو يتحول إلى فرض اجتماعي، أو يُستخدم كعلامة فصل بين الرجال والنساء. لأننا عندئذ نتوقف عن التحدث عن الحرية ونبدأ في التحدث عن الحقوق.
حالة الفتيات الصغيرات
هذا ربما يكون النقاش الأكثر حساسية.
لنتخيل طفلتين في الثامنة من العمر. إحداهما ترتدي قميصاً عليه رسوم متحركة، والأخرى ترتدي حجاباً. السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: هل يمكن للطفل أن يحمل التزاماً دينياً مرتبطاً بالحشمة الجنسية؟
إنها قضية تولد توترات هائلة في أوروبا.
يجيب البعض: إنه تقليد عائلي. ويجيب آخرون: يجب أن تكون الطفولة خالية من الرموز المرتبطة بإضفاء الطابع الجنسي أو الفصل بين الجنسين.
وكما يحدث دائماً، تظل أوروبا في المنتصف تحاول إيجاد إجابة.
هل ينسجم مع الديمقراطية الليبرالية؟
هذا هو السؤال الكبير.
تقوم الديمقراطية الليبرالية على أربعة مبادئ أساسية:
-
الحرية الفردية.
-
المساواة بين الرجل والمرأة.
-
حياد الدولة.
-
حماية الحقوق الأساسية.
إذن، هل ينسجم الحجاب؟ الإجابة الأكثر صدقاً هي: يعتمد على الظروف.
-
نعم، إذا… كان قراراً حراً، ولا يوجد ضغط، وتستطيع المرأة خلع عندما تشاء، ولا يحد من فرصها.
-
لا، إذا… كان إجبارياً، أو أُفرِض على القصر، أو تحول إلى أداة للرقابة الاجتماعية، أو حدّ من المساواة بين الرجل والمرأة.
المشكلة هي أنه لا يمكن لأحد الدخول إلى رأس شخص آخر لمعرفة أين ينتهي الاختيار وأين يبدأ الضغط.
التجربة الأوروبية
تنفذ أوروبا تجربة اجتماعية ضخمة. اختارت فرنسا رؤية أكثر صرامة للعلمانية، بينما كانت دول أخرى أكثر مرونة. وفي هذه الأثناء، يتعايش ملايين الأشخاص يومياً محاولين إيجاد توازن بين التنوع والاندماج.
ينتج عن هذا المشهد صور لم يكن أجدادنا ليتخيلوها أبداً: مناقشات برلمانية حول مناديل الرأس، وبرامج تلفزيونية مخصصة للموضوع، ومحاكم تصدر أحكاماً بشأن أغطية الرأس.
لو شرح أحدهم هذا في عام 1950، لكان بدا على الأرجح كفيلم خيال علمي.
المشكلة الأوروبية
المشكلة الحقيقية ليست الحجاب؛ بل ما يمثله.
بالنسبة لبعض الأوروبيين، هو يرمز إلى: تقدم الهوية الدينية، وصعوبة الاندماج، ورؤية تقليدية للمرأة.
وبالنسبة لآخرين، هو يرمز إلى: التنوع والحقوق الفردية.
الواقع هو أن الشيء نفسه يمكن أن يعني أمرين مختلفين تماماً اعتماداً على من ينظر إليه، وهذا يفسر لماذا يبدو النقاش بلا نهاية.
الحلول الممكنة
سيتعين على أوروبا اتخاذ قرارات خلال العقود القادمة، ومن بين الأفكار التي تُقترح عادة:
-
حماية حرية النساء البالغات: يجب أن تتمكن المرأة البالغة من تقرير كيفية ارتدائها ملابسها، بشرط عدم وجود إكراه.
-
فتح النقاش حول القصر: يعتبر الكثيرون أنه يجب أن يكون هناك حوار خاص بشأن استخدام الحجاب لدى الفتيات الصغيرات.
-
مكافحة الضغط الاجتماعي: المفتاح ليس الحظر، بل ضمان أن تتمكن أي امرأة من قول: “أريد ارتدائه” أو “لا أريد ارتدائه” دون عواقب.
-
الرهان على إسلام أوروبي: تتزايد الأصوات المدافعة عن فكرة إسلام متوافق مع القيم الديمقراطية الأوروبية؛ إسلام تكون فيه الحرية الفردية فوق الضغط الجماعي.
الخلاصة
سيظل الحجاب مرآة تعكس فيها أوروبا القرن الحادي والعشرين تناقضاتها الخاصة بين العلمانية، والتعددية الثقافية، والحقوق الفردية. لا تكمن السارية الديمقراطية في فرض جماليات رسمية من قبل الدولة، بل في ضمان امتلاك كل امرأة للأدوات التعليمية والاقتصادية والقانونية للتقرير بشأن جسدها وحياتها بحرية مطلقة.
