لغز القماش الخفي
تخيل أنك قررت الذهاب إلى البنك، أو إلى مقابلة عمل، أو لتجديد رخصة القيادة وأنت ترتدي خوذة. أو الأفضل من ذلك، قناع باتمان. على الأرجح، بالإضافة إلى أنهم سينظرون إليك بغرابة، سيطلب منك حارس الأمن بأدب (أو ربما بأقل من ذلك) أن تكشف عن وجهك.
في أوروبا، لدينا قاعدة غير مكتوبة بسيطة جداً: للتعايش، ينظر بعضنا في أعين بعض. ومع ذلك، هناك قطعة قماش نجحت في قلب المحاكم، والبرلمانات، والمقاهي الأوروبية رأساً على على عقب: النقاب.
بالنسبة للمواطن الأوروبي العادي، فإن رؤية شخص يرتدي النقاب يشبه رؤية رائد فضاء في السوبرماركت: إنه يسبب ماساً كهربائياً في العقل. لم يكن الجدال حول النقاب يوماً مجرد بحث في الملابس؛ بل هو نقاش حول الحرية، والمساواة، والهوية، والدين، وحول نوع المجتمع الذي يريد الأوروبيون بناءه.
وكما يحدث عادة في أوروبا، لا أحد متفق تماماً.
كيف يمكن لقطعة قماش سوداء أن تسبب مثل هذا الماس الكهربائي الفكري في قارة الحريات؟ لنفكك هذه المعضلة بالمنطق، وقليل من السخرية، وبلا مواربة.
أولاً، لنرتب المفاهيم
هناك الكثير من الخلط:
-
الحجاب: يغطي الشعر.
-
النقاب: يغطي الوجه، مع ترك العينين ظاهرتين.
-
البرقع: يغطي الجسم والوجه بالكامل (مع شبكة على العينين).
الماس الكهربائي الكبير: “النسوية” بالمقلوب
الأكثر إثارة للاهتمام (وبالنسبة للكثيرين، الأكثر إحباطاً) في هذا النقاش في أوروبا هو رؤية قطاعات سياسية وتيارات رأي يسارية أو ليبرالية تدافع عن ارتداء النقاب تحت راية “حقوق الإنسان” و”حرية الاختيار”.
لننتظر لحظة لمعالجة هذا الأمر.
أوروبا، مهد النسوية، المكان الذي حاربت فيه النساء لقرون للتخلص من المشدات، والوصاية الذكورية، والقمع الديني، تجد نفسها فجأة أمام مفكرين يقولون: “أيها الناس، إذا قررت امرأة طواعية تغطية وجهها بالكامل للخروج إلى الشارع، فيجب احترام ذلك لأنه حريتها الفردية”.
هنا يبدأ المنطق الأوروبي في إخراج الدخان. هل يُعد “حرية” بحق اختيار قطعة لباس يرتبط أصلها ومعناها الرمزي بإخفاء المرأة في المساحة العامة؟
إن نقد النقاب ليس إسلاموفوبيا؛ بل هو مجرد حس سليم ديمقراطي. والدفاع عن أن النقاب هو “مجرد خيار موضة” أو “حق هوياتي” يشبه القول إن السلاسل الحديدية هي مجرد إكسسوارات من الحلي الناعمة.
المشكلة الأوروبية الحقيقية مع النقاب هي مفارقة التسامح (إذا تسامحت مع غير المتسامح، فإن غير المتسامح سيدمرك).
التجربة الذهنية
لنتخيل أن ديناً جديداً ظهر غداً. يعتقد أتباعه أنه يجب على الرجال تغطية وجوههم بالكامل في الأماكن العامة.
السؤال: كم ستستغرق أوروبا لفتح نقاش وطني حول هذا الموضوع؟
رهاني هو نحو ساعتين ونصف التقريب، وهذا يقودنا إلى قضية مهمة.
هل نحن نذافع عن مبدأ عالمي أم أننا نرد على ممارسة محددة؟
صدام القطارات: حرية العبادة مقابل الكرامة الإنسانية
إن الصراع الحقيقي على الأرض الأوروبية ليس دينياً، بل هو صدام مباشر بين مبدأين أساسيين:
-
المعسكر (أ) (الحرية الفردية المطلقة): “كل شخص يرتدي ما يشاء. إذا تدخلت الدولة في خزانة ملابس الناس، فسنتحول إلى دكتاتورية. وحظره يعني تمييز وعزل هؤلاء النساء أكثر في منازلهن”.
-
المعسكر (ب) (الكرامة والأمن العام): “الوجه هو بطاقة الهوية بالتفاعل البشري. وإخفاؤه يلغي كرامة المرأة ويكسر العقد الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، في مجتمع حديث، ولدواعي الأمن البحتة، نحتاج إلى معرفة من يسير إلى جانبنا”.
المشكلة الأساسية هي أن النقاب ليس مشكلة الإسلام بشكل عام؛ فغالبية النساء المسلمات في أوروبا لا يرتدينه ولا يعتبرنه واجباً. إن النقاب هو تصدير لتيار شديد التحفظ (السلفية/الوهابية) يستغل الثغرات في نظام الحريات الأوروبي لغرس أجندة تزدري في جوهرها هذه الحريات نفسها.
إنها مفارقة التسامح: هل يجب علينا التسامح مع التعبيرات الثقافية التي تروج لعدم التسامح أو عدم المساواة؟
ما هو الحل؟ عقدة أقل وحزم أكبر
تجر أوروبا منذ سنوات عقدة ذنب تعود لما بعد الاستعمار تشلها عن الحركة. وخوفاً من أن تبدو عنصرية أو غير متسامحة، غالباً ما تفضل غض الطرف. لكن الحل ليس بهذه الصعوبة إذا تخلصنا من العقد:
-
الحزم في المساحة العامة: اتخذت دول مثل فرنسا، وبلجيكا، والدنمارك بالفعل خطوة حظر إخفاء الوجه في المساحة العامة. لا يتم حظر رمز ديني (يمكنك ارتداء الحجاب أو صليب ضخم إذا أردت)؛ بل يتم حظر التغطي بالكامل. إذا كنت لا تستطيع دخول المترو بقناع تزلج، فلا ينبغي أن تمكن من دخوله بالنقاب أيضاً. فقواعد التعايش تسري على الجميع.
-
الدعم الحقيقي للنساء، لا للقماش: الاندماج الحقيقي لا يتمثل في إضفاء الشرعية على عزل المرأة؛ بل يتمثل في إعطائها أدوات إقتصادية، وتعليمية، واجتماعية حتى لا تعتمد على هياكل أسرية أو مجتمعية خانقة. إذا كانت المرأة تعتمد على النقاب ليقبلها محيطها، فنحن لسنا أمام “اختيار حر”، بل أمام إكراه خفي.
-
خطوط حمراء واضحة: يجب على أوروبا أن تقرر ما هي القيم القابلة للتفاوض وما هي القيم غير القابلة للتفاوض. المساواة بين الرجل والمرأة والشفافية في التواصل الاجتماعي هما عماد هندستنا الديمقراطية. إذا سمحنا لهما بالانهيار باسم التعددية الثقافية المفهومة بشكل خاطئ، فسننتهي ببناء مجتمع معازل (غيتوهات) تكون فيه النساء أول الخاسرين.
الخلاصة
النقاب ليس جسراً بين الثقافات؛ بل هو جدار من قماش بين البشر. إن الدفاع عن حقوق المرأة في أوروبا يتطلب الدفاع عنها لجميع النساء، بغض النظر عن الرمز البريدي لعائلاتهن أو دين آبائهن.
لقد حان الوقت لأوروبا كي تتوقف عن التردد: فالوجه المكشوف والنظرة الصافية ليسا خياراً ثقافياً أوروبياً، بل هما الحد الأدنى المطلوب للنظر إلى بعضنا البعض كأنداد متساوين.
النقاب هو أكثر بكثير من مجرد ثوب؛ إنه مرآة، وعندما تنظر أوروبا في هذه المرآة، تكتشف تناقضاتها الخاصة.
تريد الحرية، ولكن تريد أيضاً القِيَم المشتركة.
تريد التنوع، ولكن تريد أيضاً التماسك الاجتماعي.
تريد حماية النساء، ولكن تريد أيضاً احترام قراراتهن.
ربما لهذا السبب لا ينتهي الجدال أبداً.
لأن النقاب يجبر أوروبا على الإجابة عن سؤال تتهرب منه منذ عقود: هل يوجد حد للحرية في مجتمع مفتوح؟
وأعتقد أننا سنستمر في النقاش حول هذا الأمر لسنوات عديدة، ويفضل أن يكون ذلك ونحن ننظر في وجوه بعضنا البعض.
