من يدفع ثمن الحفلة (والمسجد)؟ عقدة التمويل الإسلامي في أوروبا
من المؤكد أنك تساءلت يوماً: عندما يُبنى مسجد في وسط أوروبا أو في قرية إسبانية، من أين تأتي الأموال؟ هل يمررون صندوق التبرعات يوم الجمعة عند الخروج من الصلاة، أم هناك رجل في مكتب على بعد آلاف الكيلومترات يوقع شيكات بأصفار كثيرة؟
الإجابة القصيرة هي: قليل من هذا وذاك، ولكن مع وزن كاسح للثانية. أما الإجابة الطويلة فتدخلنا في مسلسل دبلوماسي تتخلطه البترودولارات، والجيوسياسية، والتوترات الثقافية، وأوروبا التي تحاول منذ عقود معرفة كيفية إدارة تنوعها الخاص دون مفاجآت.
لأنه خلف مسألة تبدو مملة ظاهرياً —وهي التمويل— يختبئ واحد من أهم النقاشات حول مستقبل الإسلام في أوروبا.
المال ليس محايداً أبداً
توجد قاعدة بسيطة جداً في السياسة، والدين، والأعمال: من يضع المال عادة ما يرغب في التأثير على شيء ما؛ ليس دائماً بشكل سلبي، لكن نادراً ما يقدم شخص ما مبالغ ضخمة من المال دون انتظار شيء في المقابل. ولهذا السبب، فإن السؤال ليس فقط من يدفع ثمن المساجد، بل السؤال هو: ما هو النفوذ الذي يرافق ذلك المال؟
المصادر الأربعة الكبرى للتمويل
1. المصلون (المؤمنون)
إنها الطريقة الأكثر بساطة وشفافية؛ حيث يقدم المؤمنون تبرعات طوعية، ويجمع المجتمع المحلي الأموال لشرائها عقاراً أو بناء مسجد. إنه النموذج الأكثر شبهاً بذاك الذي تستخدمه العديد من الكنائس أو الجمعيات أو المجتمعات الدينية الأوروبية.
-
ميزته الرئيسية واضحة: المجتمع المحلي يتحكم في مصيره بنفسه.
-
مشكلته الرئيسية واضحة أيضاً: العديد من المجتمعات الصغيرة لا تملك قدرة اقتصادية كافية لتمويل مشاريع كبيرة.
2. الحكومات الأجنبية
هنا تبدأ المثيرة للجدل. لعقود طويلة، قامت بعض حكومات الدول الإسلامية بتمويل مساجد، ومراكز ثقافية، وأئمة، وأنطشطة دينية في أوروبا.
والأسماء التي تظهر عادة في النقاش هي: السعودية، تركيا، المغرب، قطر، ودول الخليج الأخرى.
ليست كل المساعدات إشكالية، لكن العديد من الخبراء يتساءلون: هل يمكن أن يوجد نفوذ أيديولوجي مرتبط بتلك الأموال؟ فالقلق ليس اقتصادياً فحسب، بل هو ثقافي وسياسي أيضاً.
3. المؤسسات والمنظمات الدولية
توجد منظمات خاصة تمول مشاريع دينية في دول مختلفة. وفي بعض الأحيان تروج لأنشطة ثقافية مشروعة تماماً، وفي أحيان أخرى أُتهمت بنشر تفسيرات شديدة التحفظ للإسلام. والمشكلة بالنسبة للمواطنين الأوروبيين هي أنه يصعب غالباً معرفة من يمول ماذا بالضبط.
4. الأنشطة الاقتصادية الخاصة
تولد بعض المساجد دخلاً عبر: الدورات التدريبية، الأنشطة الثقافية، منشورات، الفعاليات، وتأجير المساحات.
يقلل هذا النموذج من الاعتماد الخارجي، رغم أنه عادة لا يكون كافياً لتمويل مشاريع ضخمة.
لماذا يثير هذا الموضوع القلق في أوروبا؟
لأن المساجد ليست مجرد مبانٍ، بل هي أيضاً أماكن تُنقل فيها القِيَم، والأفكار، والرؤى للعالم.
إن غالبية المساجد الأوروبية تؤدي وظائف دينية طبيعية وتساهم في الحياة المجتمعية، لكن عندما يوجد تمويل خارجي قليل الشفافية، يبرز سؤال مشروع: هل يتم أيضاً استيراد صراعات، أو أيديولوجيات، أو مصالح أجنبية؟
أوروبا لا تستورد المال فحسب، بل قد تستورد النفوذ أحياناً.
نقاش “الإمام المُمَوَّل”
لنتخيل وضعين:
-
الحالة (أ): الإمام مولود في أوروبا، يتحدث لغة البلد بطلاقة، يعرف ثقافة البلاد، وتعتمد مدخولاته على المجتمع المحلي نفسه.
-
الحالة (ب): الإمام مُرسل من بلد آخر، راتبه اعتمد على مؤسسة أجنبية، وتكوينه تم خارج أوروبا.
قد يوجد فارق كبير في طريقة تفسير الواقع. وتعتبر العديد من الحكومات الأوروبية أن هذه المسألة ستصبح أكثر أهمية خلال العقود القادمة.
مشكلة الشفافية
هنا يظهر على الأرجح الجوهر الحقيقي للنقاش. لا يتعلق الأمر فقط بمن يمول، بل بمعرفة ذلك؛ ففي الديمقراطية الحديثة، تخلق الشفافية الثقة.
-
عندما تكون مصادر التمويل واضحة: تقل الشكوك، وتتراجع نظريات المؤامرة، وتحسن ثقة المواطنين، وتتعزز أواصر التعايش.
-
عندما يكون التمويل معتماً: يحدث العكس تماماً.
السرديتان المتواجهتان
-
السردية 1: “لا توجد مشكلة”يحتج المدافعون عن هذا الموقف بأن: الحرية الدينية تتضمن البحث عن التمويل، والعديد من الأديان تتلقى مساعدات دولية، ولا ينبغي الشك التلقائي في المجتمعات المسلمة، وغالبية المساجد لا تمثل أي خطر.
-
السردية 2: “يجب المراقبة”يحتج المدافعون عن هذا الموقف بأن: بعض الدول تستخدم الدين كأداة للنفوذ، ويجب على أوروبا معرفة من يمول المؤسسات الدينية، والضبابية تشجع التطرف، والشفافية تحمي المواطنين والمجتمعات المسلمة نفسها على حد سواء.
كلا الموقفين يحملان عناصر معقولة، والتحدي يتلخص في إيجاد التوازن.
المشهد المستقبلي: المسجد بـ “بطاقة معلومات التمويل”
لنتخيل فكرة لعام 2035:
كل مسجد أوروبي سيملك بطاقة عامة يمكن الوصول إليها عبر الإنترنت، تشبه إلى حد ما بطاقات البيانات الغذائية.
ويظهر فيها: مصدر التمويل، نسبة الأموال الوطنية، نسبة الأموال الأجنبية، تأهيل وتكوين الأئمة، الأنشطة المقامة، والمراجعات المالية المنفذة.
ستكون بمثابة “بطاقة شفافية”، ليس للتحكم في المعتقدات، بل لمعرفة كيف تعمل مؤسسة تشكل جزءاً من الحياة العامة.
ما هي المشاكل التي يجلبها هذا لأوروبا؟
-
الاعتماد الخارجي: عندما تعتمد مؤسسة اقتصادياً على أطراف أجنبية، قد تفقد جزءاً من استقلاليتها.
-
نقص ثقة المواطنين: الضبابية تغذي الشائعات والاستقطاب.
-
خطر استيراد الصراعات: الخصومات السياسية أو الدينية للدول الأخرى قد تنتقل إلى التراب الأوروبي.
-
صعوبة خلق إسلام أوروبي: إذا كان جزء كبير من التمويل، والتأهيل، والقيادة يأتي من الخارج، يصبح من المعقد تطوير تفسير متكيف مع الواقع الأوروبي.
الحلول الممكنة
-
قطع الصنبور الخارجي (النموذج النمساوي): دفعت دول مثل النمسا (عبر قانون الإسلام الشهير) أو فرنسا إصلاحات لحظر التمويل المستمر للمنظمات الدينية من الخارج.
-
إنشاء سجلات تمويل عامة: يجب أن تكون الشفافية هي القاعدة لجميع المنظمات الدينية.
-
تكوين الأئمة في أوروبا: بمعرفة القوانين، واللغات، والقيم الديمقراطية الأوروبية.
-
تشجيع التمويل الذاتي المحلي: كلما كان المجتمع المحلي أقوى، قل الاعتماد الخارجي.
-
مراجعات مالية مستقلة: تماماً كما يحدث مع العديد من المؤسسات والمنظمات غير الربحية.
-
شهادة الشفافية الأوروبية: ختم طوعي يحدد المساجد التي تفي بمعايير عالية من الشفافية المالية والحوكمة.
الخلاصة: تَبَّع أثر المال
في الأفلام البوليسية توجد قاعدة كلاسيكية: “تَبَّع أثر المال”. ليس لأن المال سيئ، بل لأنه يساعد على فهم كيفية عمل المؤسسات حقاً.
إن السؤال عن من يمول مسجداً لا ينبغي أن يُعد هجوماً، بل ينبغي اعتباره سؤالاً طبيعياً في أي ديمقراطية ناضجة. المسألة ليست ما إذا كان المسجد يتلقى أموالاً؛ فجميع المنظمات تحتاج إلى موارد.
المسألة هي ما إذا كان المواطنون يعرفون من أين تأتي تلك الأموال، وما هو النفوذ الذي قد يرافقها، وكيف نضمن تعايش الحرية الدينية مع الشفافية والتماسك الاجتماعي.
لأنه عندما تختفي الثقة، تحتل الشائعات مكانها، والشائعات نادراً ما تبني مجتمعاً أفضل.
حرية العبادة عماد أوروبي، لكن ترك دول أجنبية تصمم الخريطة الدينية والثقافية للقارة بضربات الشيكات أثبت أنه استراتيجية سيئة للغاية على المدى الطويل. والحل لا يكمن في إغلاق الأبواب، بل في المطالبة بالنور، والتدقيق، والتكوين المحلي لكي يكون الإسلام الأوروبي، بالتحديد، أوروبياً.
