منظومة السلطة الإسلامية في المغرب

منظومة السلطة الإسلامية في المغرب

لفهم الإسلام في أوروبا، لا بد من النظر إلى جذوره

لفهم الإسلام في أوروبا، يجب أن ننظر إلى ما وراء الحدود الأوروبية.

فالإسلام الذي نجده اليوم في أوروبا لم ينشأ في أوروبا. فأفكاره وتياراته الدينية ومؤسساته وقادته والعديد من أشكال تنظيمه تعود جذورها إلى بلدان يشكّل المسلمون فيها الأغلبية.

لذلك، إذا أردنا أن نفهم على نحو صحيح طبيعة الإسلام الذي يصل إلى أوروبا، ومن أين يأتي، ومن يمثّله، وما التأثير الذي قد يمارسه، فعلينا أولاً أن نعرف ما يجري في بلدان منشئه.

لا يوجد إسلام واحد، بل توجد تيارات ومدارس دينية ومنظمات وتفسيرات مختلفة. كما توجد اختلافات كبيرة بين البلدان. فالإسلام في مصر ليس مطابقاً تماماً للإسلام في الجزائر أو المغرب أو المملكة العربية السعودية أو تركيا أو دول الخليج.

إضافة إلى ذلك، لا يعمل الدين دائماً بمعزل عن السلطة. ففي العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، تحتفظ المؤسسات الدينية بعلاقات مهمة مع الدولة والحكومات والمؤسسات العسكرية ورجال الأعمال ومختلف المنظمات الاجتماعية. ويمكن لهذه العلاقات أن تؤثر في الطريقة التي يُفسَّر بها الإسلام ويُنقل إلى الآخرين.

وقد يصل جزء من هذا التأثير إلى أوروبا عبر المساجد والجمعيات والمنظمات الدينية والتمويل والمراكز التعليمية والقادة الدينيين والشبكات الدولية ومجتمعات المهاجرين.

لذلك، فإن دراسة الإسلام في أوروبا من دون دراسة جذوره أيضاً قد تؤدي إلى تكوين صورة غير مكتملة.

فالسؤال ليس فقط: «ما أشكال الإسلام الموجودة في أوروبا؟».

بل ينبغي لنا أيضاً أن نتساءل: من أين يأتي؟ من يموله؟ من يمثّله؟ ما المؤسسات التي تقف وراءه؟ ما التيار الديني الذي يدافع عنه؟ ما علاقته بالسلطة السياسية في بلد المنشأ؟ وكيف يتغير عندما يصل إلى أوروبا؟

سنحلل هذه المنظومة تحديداً في سلسلة المقالات هذه.

سندرس، بلداً تلو الآخر، مؤسساته الدينية وتياراته الرئيسية والجهات التي تمتلك النفوذ داخلها، وطرق تمويلها، وعلاقاتها بالسياسة ورجال الأعمال وغيرهم من مراكز القوة، والروابط التي قد تجمعها بأوروبا.

الهدف هو معرفة الجذور لفهم الحضور الإسلامي في أوروبا بصورة أفضل. فلكي نتعامل مع أي ظاهرة على نحو صحيح، علينا أولاً أن نفهم آلية عملها، ومن أين تأتي، ومن أبرز الفاعلين فيها.

 

في المغرب، يتطلب فهم السلطة فهم الدين

من يسيطر على الدين، ومن يموله، وكيف تتداخل علاقات الملك والعلماء والسياسة ورجال الأعمال والجيش

عندما نتحدث عن الإسلام في المغرب، غالباً ما نفكر في المساجد والأئمة ورمضان والقرآن والتقاليد الدينية. لكن هذا ليس سوى جزء من القصة.

ففي المغرب، توجد منظومة مؤسسية أكثر تعقيداً تحيط بالدين.

هناك ملك يتمتع بسلطة دينية معترف بها دستورياً، ووزارة للأوقاف والشؤون الإسلامية، ومجلس علمي أعلى، ومجالس علمية محلية، وآلاف المساجد والأئمة والخطباء، وأملاك دينية ومؤسسات خيرية ومدارس ومعاهد للتكوين وحركات إسلامية، فضلاً عن هيكل خاص للتوجيه الديني داخل القوات المسلحة.

وخلف كل ذلك يبرز سؤال أساسي: من يمتلك سلطة تحديد ماهية الإسلام الرسمي في المغرب؟

الإجابة المختصرة هي أن الملكية تحتل الموقع المركزي.

لكن الإجابة الكاملة أكثر إثارة للاهتمام.

فالنظام المغربي لا يعمل ببساطة على أساس أن الملك «يسيطر على الأئمة»، بل يعتمد على مزيج من الشرعية الدينية ومؤسسات الدولة والرقابة الإدارية والتمويل والتكوين والأملاك والسياسة والأمن.

هذه هي المنظومة الحقيقية للسلطة الإسلامية في المغرب.

 

الركيزة الأساسية: الملك بصفته «أمير المؤمنين»

لفهم المغرب، يجب أن نبدأ بشخصية لا يوجد لها نظير مطابق في معظم البلدان الأوروبية، وهي أمير المؤمنين، وهو اللقب الذي يُترجم عادة إلى «قائد المؤمنين» أو «أمير المؤمنين».

ينص الدستور المغربي لعام 2011، في الفصل 41، على أن الملك هو أمير المؤمنين، والساهر على احترام الإسلام، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.

لكن هناك أمراً أكثر أهمية.

فالملك يرأس المجلس العلمي الأعلى، وهو المؤسسة المختصة بإصدار الفتاوى التي يمكن للدولة اعتمادها رسمياً. كما ينص الدستور على أن الملك يمارس، من خلال الظهائر الشريفة، صلاحياته الدينية المرتبطة بمؤسسة إمارة المؤمنين.

وهذا يغيّر بنية النظام بالكامل.

ففي العديد من البلدان الإسلامية، يمكننا أن نتساءل: من يمتلك السلطة الدينية؟ أما في المغرب، فإن الإجابة المؤسسية تبدأ بالملك.

ليس لأن الملك مجرد حاكم سياسي يستخدم الدين، بل لأن النظام الدستوري نفسه يمنحه وظيفة دينية محددة. ولهذا الأمر عواقب سياسية كبيرة.

 

الملك ليس مجرد رئيس للدولة

يميّز الدستور بين وظائف الملك بصفته رئيساً للدولة ووظائفه الدينية.

فالفصل 42 يعرّف الملك بأنه رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن استمرار الدولة.

أما الفصل 41، فيحدد مكانته بصفته أمير المؤمنين.

 

أي إن الملك يتمتع بسلطة سياسية وسلطة دينية في الوقت نفسه.

وهذا الجمع بين السلطتين أساسي. فهو يعني أن الاعتراض على بعض القرارات الدينية قد يكتسب بُعداً سياسياً أيضاً. كما يعني أن الحركات التي تسعى إلى بناء سلطة دينية مستقلة عن الملكية تدخل مجالاً بالغ الحساسية.

 

وزارة الأوقاف: الآلة الإدارية الكبرى

إذا كان الملك يقف على قمة النظام، فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تُعد إحدى أهم أدواته الإدارية. ودورها واسع للغاية.

تُسند التشريعات إلى الوزارة مسؤوليات تشمل إدارة الأملاك الوقفية وتنميتها، وبناء المساجد وصيانتها، والإشراف على الأنشطة الدينية، وحماية المذهب المالكي، وتنظيم التعليم الديني التقليدي، والتكوين الأولي والمستمر للمسؤولين الدينيين، ونشر العقيدة الدينية الرسمية، والتعاون الديني الدولي.

لذلك، فالوزارة ليست مجرد جهة «تنظّم المساجد»، بل هي بنية إدارية متكاملة لتنظيم الشأن الديني.

فهي تتحكم في جزء كبير من العناصر التي تسمح للدين المنظم بالعمل على أرض الواقع، مثل المباني والأملاك والأئمة والتكوين والتعليم والتوجيه الديني، أو تشارك في إدارتها.

 

ما المقصود بالأوقاف؟

هنا تظهر كلمة أساسية لفهم الجانب المالي للنظام، وهي الأوقاف، التي تقابل مفهوم الوقف في التراث الإسلامي، أي الأملاك المخصصة لأغراض دينية أو اجتماعية أو خيرية.

يتعلق الأمر بأصول مخصصة لهذه الأغراض. وفي المغرب، نتحدث عن ممتلكات كبيرة. وتوضح الوزارة نفسها أن الأملاك الوقفية تشمل عقارات حضرية وأراضي زراعية.

فعلى سبيل المثال، بلغت إيرادات العقارات الحضرية الوقفية نحو 350.2 مليون درهم عام 2017، بينما تجاوز صافي الإيرادات الزراعية في السنة نفسها 66.1 مليون درهم. وتشير الوزارة صراحة إلى أن هذه الأملاك تشكل مصدراً للتمويل الذاتي للأنشطة الاجتماعية والدينية والإدارية.

وهذا يساعدنا على فهم أمر بالغ الأهمية: فالمنظومة الدينية المغربية لا تعتمد حصرياً على الميزانية العامة للدولة، بل تمتلك أيضاً أصولاً خاصة تدرّ إيرادات.

لذلك، عندما نتحدث عن «تمويل الإسلام» في المغرب، ينبغي أن ننظر إلى أربعة مصادر على الأقل:

  1. الميزانية العامة.
  2. الأملاك الوقفية.
  3. التبرعات وموارد المؤسسات الخيرية والمنظمات الدينية.
  4. الأملاك والموارد المرتبطة بمؤسسات دينية معينة.

فليست كل الأموال من المصدر نفسه، كما أن جميع المؤسسات لا تعتمد النظام المالي ذاته.

 

المساجد: الدين والإدارة والفضاء العام

قد يبدو المسجد، من الخارج، مجرد مكان للصلاة، لكنه بالنسبة إلى الدولة المغربية مؤسسة تشكّل جزءاً من تنظيم الشأن الديني الوطني.

تتولى مديرية المساجد التابعة للوزارة، من بين أمور أخرى، تسجيل المساجد والرقابة عليها، وتحديد الاحتياجات المتعلقة بأماكن العبادة، والتخطيط لبنائها وتوسيعها وترميمها.

كما تنشر الوزارة دليلاً للأئمة والخطباء والمسؤولين الدينيين.

والهدف المعلن هو وضع قواعد مشتركة والحفاظ على الوحدة العقائدية والشعائرية في البلاد. ويربط الدليل صراحة نشاط المسؤولين الدينيين بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتقاليد الدينية المغربية.

لذلك، لا يقتصر هدف النظام على توفير مسجد يصلي فيه الناس، بل يشمل أيضاً ترسيخ نمط مغربي محدد لممارسة الإسلام.

 

الإمام: أكثر بكثير من شخص يؤمّ المصلين

في هذه المنظومة، يؤدي الإمام وظائف دينية وتعليمية واجتماعية.

وتنص توجيهات الوزارة على أن من مهامه إمامة الصلوات، وتعليم القرآن، والمساهمة في التماسك الاجتماعي، والمشاركة في الأنشطة التعليمية والثقافية، والتعاون في بعض المسائل الاجتماعية، واحترام المذهب المالكي والعقيدة المعتمدة، وإحالة بعض المسائل الدينية إلى المجلس العلمي المحلي بدلاً من إصدار فتوى من تلقاء نفسه.

وهذه النقطة الأخيرة مثيرة للاهتمام بشكل خاص، إذ لا يُقدَّم الإمام بوصفه سلطة دينية مستقلة تماماً.

بل توجد هرمية للسلطة يمكن تبسيطها على النحو الآتي:

الملك ← المجلس العلمي الأعلى ← الوزارة والمنظومة الدينية الرسمية ← المجالس العلمية المحلية ← الأئمة والخطباء ← المصلّون.

ولا يعني ذلك أن كل مؤمن مغربي يفكر بالطريقة نفسها التي تفكر بها الدولة، بل يعني أن الدولة أنشأت بنية للسيطرة على الدين المؤسسي وتنظيمه.

 

المجلس العلمي الأعلى: من يستطيع التحدث رسمياً باسم الإسلام؟

نصل هنا إلى عنصر أساسي آخر.

العلماء هم متخصصون في العلوم الدينية، لكن النظام المغربي يميّز بين امتلاك المعرفة الدينية والحصول على سلطة دينية مؤسسية معترف بها من الدولة.

ويمنح الدستور المجلس العلمي الأعلى الاختصاص في المسائل والاستشارات الدينية التي ستعتمدها الدولة رسمياً. وهذا يجعل المجلس بمثابة سلطة دينية مؤسسية تابعة للدولة.

وهناك تفصيل حاسم: رئيس المجلس هو الملك نفسه.

وينشئ ذلك بنية مميزة، إذ لا يحتاج الملك إلى أن يصبح أكبر خبير في الفقه الإسلامي.

فيمكنه أن يحتل قمة النظام، وأن يعمل من خلال مؤسسة تضم العلماء.

إنها تركيبة تجمع بين السلطة السياسية والشرعية الدينية والمتخصصين في العلوم الدينية.

 

النموذج الديني المغربي: المالكية والأشعرية والتصوف

لا يسعى المغرب إلى بناء إسلام رسمي عام ومجرّد من الخصوصيات، بل يستند نموذجه الديني إلى مرجعيات تاريخية محددة، من بينها:

المذهب المالكي ← أحد المذاهب الفقهية السنية المتجذرة بعمق في منطقة المغرب العربي.

العقيدة الأشعرية ← أحد التقاليد العقدية السنية.

التصوف ← ولا سيما بعض التقاليد والطرق الصوفية التاريخية المغربية.

والهدف المعلن للمؤسسات الدينية هو الحفاظ على الوحدة الدينية حول هذه العناصر.

ويترتب على ذلك أثر سياسي، فالدولة لا تكتفي بالسيطرة على المؤسسات، بل تحاول أيضاً تحديد الإطار العقائدي الذي تعتبره مغربياً بصورة مشروعة.

 

بعد هجمات عام 2003: تحوّل الدين بصورة أكبر إلى قضية أمنية

غيّرت تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 السياسة الدينية المغربية بصورة عميقة. فقد عززت الدولة الرقابة على المساجد وعلى تكوين المسؤولين الدينيين.

وكان المنطق بسيطاً إلى حد كبير: إذا كان من الممكن نشر أيديولوجيا متطرفة عبر الأماكن الدينية، فعلى الدولة أن تراقب هذه الأماكن.

ومن هنا نشأت سياسة تجمع بين الدين والأمن والوقاية من التطرف.

وهذا يفسّر جانباً كبيراً من البنية الدينية التي أُنشئت خلال عهد محمد السادس.

 

معهد محمد السادس: تكوين الإمام المناسب

أُنشئ عام 2014 معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات. وتتمثل مهمته في تكوين مسؤولين دينيين مغاربة وأجانب.

ويوضح المعهد نفسه أنه يكوّن الأئمة والخطباء، كما يستقبل رجال دين من بلدان أخرى. ولهذا التكوين بُعد داخلي وآخر دولي.

داخلياً

تحاول الدولة ضمان امتلاك المسؤولين الدينيين معرفة في المجالات التالية: الإسلام، والقرآن، والفقه، والتقاليد المغربية، والتاريخ، والوقاية من التطرف.

دولياً

يصدّر المغرب جزءاً من نموذجه الديني. فقد كوّن المعهد رجال دين من بلدان أفريقية وأوروبية، من بينها مالي وغينيا وساحل العاج والسنغال وفرنسا.

وهنا يظهر بُعد يستحق اهتماماً كبيراً: السياسة الدينية المغربية هي أيضاً سياسة خارجية.

فالمغرب لا يحاول السيطرة على الإسلام داخل حدوده فحسب، بل يسعى أيضاً إلى أن يصبح مرجعاً لنمط معين من الإسلام في أفريقيا وأوروبا.

 

الإسلام أداة للقوة الناعمة

تكتسب هذه الاستراتيجية أهمية خاصة في أفريقيا.

كما أنشأ المغرب مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. ويمكن أن يأتي تمويلها من مساهمات الدولة والمنح العامة أو الخاصة والأملاك الوقفية والتبرعات وغيرها من الموارد.

والرسالة واضحة: يقدم المغرب التكوين والتعاون الديني وتفسيراً معيناً للإسلام. وهذا يولّد نفوذاً، ويشكّل أحد أشكال القوة الناعمة.

فبدلاً من التأثير من خلال الشركات والاستثمارات والدبلوماسية وحدها، يستطيع المغرب ممارسة نفوذه أيضاً عبر الدين وتكوين الأئمة والعلماء والتعاون الثقافي.

 

وأين تأتي السياسة؟

هنا يبدأ الجزء الأكثر حساسية.

يسمح المغرب بوجود الأحزاب السياسية وإجراء الانتخابات، لكن الدستور ينص على أن الأحزاب لا يجوز أن تقوم على أساس ديني.

وهذا يخلق مفارقة مثيرة للاهتمام: فالدين يحتل موقعاً مركزياً في شرعية الدولة، لكنه لا يستطيع أن يتحول بحرية إلى منصة حزبية تنافس السلطة الدينية نفسها.

ولهذا اضطر الإسلام السياسي المغربي إلى التكيف مع قواعد محددة للغاية.

 

حزب العدالة والتنمية: التجربة الإسلامية داخل النظام

يُعد حزب العدالة والتنمية، المعروف اختصاراً بـPJD، على الأرجح أبرز مثال على ذلك.

حقق الحزب فوزاً انتخابياً كبيراً بعد الربيع العربي، وترأس حكومات لمدة تقارب عقداً من الزمن.

لكن تولي الحكم لا يعني السيطرة على السلطة الدينية. وهذا فارق أساسي.

فقد استطاع الحزب الفوز بالانتخابات وقيادة الحكومة، لكن الملكية احتفظت بموقعها المركزي في الشؤون الدينية وبجزء كبير من القرارات الاستراتيجية للدولة.

وتؤكد الدراسات المتعلقة بالحزب هذه النقطة تحديداً: فقد دخل الحزب النظام وتمكن من الحكم، لكن بنية السلطة الملكية واصلت الحد من قدرته على تغيير القواعد الأساسية للنظام.

وكانت نتيجة انتخابات عام 2021 لافتة للغاية، إذ انخفض عدد مقاعد الحزب من 125 مقعداً إلى 13 مقعداً فقط.

وهكذا تكشف التجربة المغربية أمراً مهماً: من الممكن أن يشارك حزب إسلامي في الحكومة من دون أن يسيطر على المنظومة الدينية في البلاد.

 

ثم تظهر جماعة العدل والإحسان

إذا كان حزب العدالة والتنمية يمثل التيار الإسلامي الذي قبل المشاركة في النظام السياسي، فهناك فاعل آخر أكثر إزعاجاً للنظام: جماعة العدل والإحسان.

إنها حركة إسلامية ذات أهمية اجتماعية كبيرة، ترفض السلطة الدينية للملك.

ولا تشارك الجماعة في الانتخابات، كما أنها غير مسجلة حزباً سياسياً. ومع ذلك، سمحت السلطات باستمرار جانب كبير من أنشطتها، رغم أنها قيّدت بعض الاجتماعات والأنشطة أيضاً.

وهنا نجد خطاً فاصلاً أساسياً. فالمسألة لا تتعلق ببساطة بالسؤال: «هل أنت إسلامي؟».

بل إن السؤال الأعمق هو: هل تقبل بأن الملك هو أمير المؤمنين وأعلى سلطة دينية مؤسسية؟

لهذا السؤال أهمية كبيرة في النظام المغربي.

 

وماذا عن رجال الأعمال؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين.

لا توجد بنية بسيطة تسمح لنا بالقول: «رجال الأعمال يسيطرون على الإسلام المغربي». فهذا سيكون تبسيطاً مخلّاً.

لكن توجد بالفعل علاقة أوسع بين السلطة السياسية والمجموعات الاقتصادية الكبرى والأملاك والنخب المالية.

وقد درست الأبحاث المتعلقة بالرأسمالية المغربية كيف حافظت الملكية وحلفاؤها على موقع مهيمن في قطاعات اقتصادية استراتيجية، بما فيها القطاع المالي.

كما نجد في المنظومة الدينية شركات مرتبطة ببناء المساجد وترميمها وصيانتها وتجهيزها وإدارة العقارات وتقديم الخدمات والتوزيع.

وتقيم الأملاك الوقفية نفسها علاقات مع المطورين العقاريين، كما تعمل على تنمية العقارات الحضرية والأراضي الزراعية.

لذلك، من الأدق الحديث عن تداخل الدولة والأملاك الدينية والاقتصاد، بدلاً من الادعاء بأن رجال الأعمال يسيطرون مباشرة على الدين.

 

الأموال الدينية: قضية تستحق مزيداً من البحث

هذا أحد الموضوعات الكبرى التي ما زالت بحاجة إلى البحث.

نعلم بوجود ميزانية عامة وأملاك وقفية وتبرعات ومؤسسات خيرية وموارد تابعة لمؤسسات دينية، لكن مستويات الشفافية تختلف من جزء إلى آخر.

فعلى سبيل المثال، وصف باحثون موارد بعض الزوايا وطرق تمويلها بأنها تفتقر إلى الشفافية. وتشير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن الدولة تموّل الزوايا وتشرف عليها، في حين يمكن لهذه الزوايا أيضاً أن تتلقى تبرعات وصدقات وإيرادات من الأنشطة وموارد ناتجة عن الأراضي.

وهذا يطرح سؤالاً مثيراً للاهتمام: كم تبلغ فعلياً الأموال التي تدور داخل المنظومة الدينية المغربية؟

لا يتعلق الأمر فقط بحجم الأموال التي تخصصها الدولة.

بل ينبغي أيضاً أن نتساءل: ما حجم الأملاك؟ وكم تدرّ الأوقاف؟ وكم تتلقى المؤسسات الخيرية؟ وما الموارد التي تحصل عليها المساجد؟ وكم من الأموال يدور حول الزوايا؟ وما الشركات التي تشارك في العقود والمشروعات؟

 

وماذا عن الجيش؟

يقدم المغرب هنا حالة أخرى تستحق اهتماماً خاصاً.

فالملك يشغل في الوقت نفسه مناصب رئيس الدولة وأمير المؤمنين والقائد الأعلى ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية. ولذلك، فإن الصلة بين الدين والجيش ليست أمراً عرضياً.

وتوضح وزارة الأوقاف أنها، بناءً على تعليمات الملك، تكوّن أئمة ومرشدين لتولي مهام داخل وحدات القوات المسلحة الملكية.

وفي عام 2017، جرى الإعداد لتخريج دفعة جديدة تضم 100 إمام للوحدات العسكرية، وكان عدد الوعاظ الدينيين العاملين في القوات المسلحة الملكية قد بلغ آنذاك 246 شخصاً.

كما أشار الملك نفسه إلى ضرورة حماية العسكريين من التأثيرات التي تُعتبر مخالفة «للثوابت الدينية» المغربية.

وهذا يوضح أمراً مهماً: فالدين يشكل أيضاً جزءاً من البنية التي تهدف إلى تعزيز التماسك الداخلي للقوات المسلحة.

ويتمثل الهدف الرسمي في تكوين الجنود ضمن تصور محدد للإسلام المغربي، والحيلولة دون انتشار التطرف أو التأثيرات التي تُعد خطرة.

 

الجيش ليس مجرد مؤسسة «دينية»

لكن يجب تجنب خطأ آخر. فهذه العلاقة لا تعني أن المغرب دولة يحكمها عسكريون متدينون.

العلاقة مختلفة.

يمكن وصف البنية على النحو التالي: الملك، بوصفه قائداً دينياً وقائداً عسكرياً في الوقت نفسه. وبالتالي، فإن المؤسستين تستندان إلى مركز أعلى مشترك.

وهذا يقلل من احتمال ظهور سلطة دينية مستقلة يمكنها منافسة الملكية داخل المؤسسة العسكرية.

 

ماذا يحدث في الخطب الدينية؟

يمكننا هنا ملاحظة آلية عمل النظام بصورة ملموسة للغاية.

فخطيب الجمعة لا يتمتع بحرية مطلقة لتحويل المسجد إلى منصة سياسية، إذ تضع المؤسسات الدينية المغربية قواعد للخطابة وللموضوعات الدينية.

بل إن الوزارة تنص على إمكانية قراءة الخطباء خطباً توفرها الوزارة أو المجالس العلمية.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت أيضاً خلافات بشأن الحدود المفروضة على ما يستطيع الأئمة قوله عن القضايا السياسية والصراعات الدولية.

ويكشف ذلك عن توتر لا مفر منه: فالمسجد مكان ديني، لكنه أيضاً فضاء عام. وعندما يستمع ملايين الأشخاص إلى رسالة دينية واحدة، يمكن أن تتحول الخطبة إلى أداة للتواصل السياسي.

 

مثال كاشف: الخطب الوطنية

في عام 2025، وفي سياق الاحتجاجات الشبابية، دعت خطب بُثت في آلاف المساجد الشباب إلى المشاركة في الحياة العامة وخدمة الوطن.

وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن هذه الخطب بُثت في نحو 53 ألف مسجد، وكذلك عبر التلفزيون العمومي.

وبغض النظر عن التفسير السياسي الذي قد يتبناه كل شخص، فإن هذه الحادثة تكشف قدرة المنظومة الدينية المؤسسية على إيصال رسالة منسقة إلى شريحة واسعة جداً من السكان.

وهذا أمر يصعب تخيله في كثير من الدول الأوروبية.

 

إذن، من يحكم فعلياً؟

يمكن تلخيص ذلك من خلال هرم للسلطة:

المستوى الأول — الملك محمد السادس: السلطة السياسية والسلطة الدينية التي يمنحها له الدستور.

المستوى الثاني — المجلس العلمي الأعلى: التفسير الديني الرسمي والفتاوى المؤسسية.

المستوى الثالث — وزارة الأوقاف: إدارة الشؤون الدينية والمساجد والأملاك والمسؤولين الدينيين والتكوين والتعليم.

المستوى الرابع — المجالس العلمية المحلية: السلطة الدينية على المستوى الإقليمي.

المستوى الخامس — الأئمة والخطباء: التواصل المباشر مع المصلّين.

المستوى السادس — المجتمع: ملايين المواطنين الذين يمارسون الإسلام ويفسرونه ويعيشونه.

لكن حول هذا الهرم توجد قوى أخرى، منها الجيش والأحزاب السياسية ورجال الأعمال والمؤسسات الخيرية والزوايا ووسائل الإعلام والحركات الإسلامية.

وهنا تكمن المنظومة الحقيقية.

 

المفارقة الكبرى في النموذج المغربي

يتسم النموذج المغربي بخاصية تبدو متناقضة للوهلة الأولى.

فمن جهة، تفرض الدولة رقابة قوية على الدين المؤسسي.

ومن جهة أخرى، تستخدم الدولة الدين نفسه لتقديم البلاد بوصفها نموذجاً للإسلام المعتدل والمتسامح والمستقر.

وهذا ينتج مفارقة: فالدولة، سعياً إلى حماية الدين من التسييس، تقوم بدورها بتسييس إدارة الدين جزئياً.

ويتمثل التفسير الرسمي في الأمن والاستقرار والوحدة الدينية ومكافحة التطرف. أما منتقدو هذا النموذج، فقد يرون فيه وسيلة للسيطرة على المجال الديني وتقييد الجهات التي تسعى إلى بناء سلطة دينية مستقلة.

 

النموذج المغربي ليس مجرد «إسلام سياسي»

وهنا تكمن على الأرجح أهم خلاصة.

المغرب بلد مسلم يتمتع فيه الإسلام بمكانة دستورية متميزة، لكن ذلك لا يعني أن جميع المغاربة إسلاميون بالمعنى السياسي.

فحزب العدالة والتنمية لا يمثل جميع المسلمين، وجماعة العدل والإحسان لا تمثلهم جميعاً أيضاً، كما أن العلماء الرسميين والزوايا لا يمثلون جميع المسلمين.

والدولة نفسها لا تفترض أن جميع هذه الأطراف تتبنى التفسير ذاته.

ما يفعله النظام هو محاولة وضع جميع هذه الأطراف داخل إطار يكون مركز ثقله الملكية وشخصية أمير المؤمنين.

 

لماذا يعمل هذا النظام؟

هناك عدة أسباب.

أولاً: الشرعية التاريخية. تستند الملكية العلوية إلى شرعية دينية وتاريخية عميقة.

ثانياً: السيطرة المؤسسية. تسيطر الدولة على جزء كبير من البنية التحتية الدينية.

ثالثاً: التمويل. تمتلك الدولة موارد من الميزانية العامة وأملاكاً دينية.

رابعاً: التكوين. يتلقى المسؤولون الدينيون تكويناً يهدف إلى الحفاظ على نموذج عقائدي مشترك.

خامساً: الأمن. بعد الهجمات الإرهابية، أصبح الدين يُنظر إليه أيضاً باعتباره قضية تتعلق بالأمن القومي.

سادساً: غياب جيش مستقل سياسياً. بخلاف ما حدث في بلدان عربية أخرى، لا يحتل الجيش المغربي موقع الصدارة الظاهر في السياسة الوطنية.

سابعاً: السيطرة على السلطة الدينية. تستطيع الحركات الإسلامية الوجود ضمن حدود معينة، لكنها لا تستطيع ببساطة أن تحل محل السلطة الدينية للملك.

 

لكن النظام يعاني أيضاً من نقاط ضعف

يحقق هذا النموذج مزايا للدولة، منها الاستقرار والسيطرة والوقاية من التطرف والتنسيق الديني.

لكنه يثير أيضاً أسئلة مهمة.

ماذا يحدث لحرية الدين؟

يضمن الدستور حرية ممارسة الشعائر الدينية، لكن توجد قيود قانونية تتعلق بانتقاد الإسلام وبالتبشير بين المسلمين.

من يراقب الجهة التي تمارس الرقابة؟

إذا كانت أعلى سلطة دينية هي نفسها رئيس الدولة، يصبح الفصل الكامل بين الدين والسلطة السياسية أمراً صعباً.

هل يمكن أن توجد سلطة دينية مستقلة؟

تجد الحركات التي تشكك في السلطة الدينية للملك مجالاً أضيق للتحرك.

هل يستطيع الإمام انتقاد الدولة؟

تحد البنية المؤسسية للمساجد بشدة من إمكانية تحويل المنبر إلى منصة سياسية مستقلة.

هل توجد شفافية مالية كافية؟

الأملاك الوقفية ضخمة، لكن الشفافية وإمكانية تتبع جميع موارد المنظومة الدينية ليستا بالمستوى نفسه في جميع أجزائها.

 

الخريطة الحقيقية للسلطة

يمكن تلخيص النموذج المغربي في عبارة واحدة: لا تحاول الدولة القضاء على السلطة الدينية، بل تسعى إلى تنظيمها وتمويلها وتكوين القائمين عليها ووضعها تحت سلطة مركزية. وهذه السلطة المركزية هي الملك.

والنتيجة نموذج يختلف كثيراً عن العلمانية الفرنسية، كما يختلف عن الجمهورية الإسلامية.

فنحن لا نتعامل مع حالة «الدين في مواجهة الدولة»، بل مع حالة «الدين المدمج داخل الدولة».

كما أننا لسنا أمام نظام يحكم فيه العلماء البلاد، بل أمام سلطة سياسية تنظّم المجال الديني وتستخدم المتخصصين في الشؤون الدينية لمنحه الشرعية والبنية والمضمون.

 

المغرب وأوروبا

كيف يمكن للمنظومة الدينية والسياسية المغربية أن تؤثر في أوروبا؟

حللنا حتى الآن كيفية عمل منظومة السلطة الإسلامية داخل المغرب.

لكن يبقى سؤال أساسي: ماذا يحدث عندما تتجاوز هذه المنظومة حدود المغرب؟

يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة لأن ملايين الأشخاص من أصول مغربية يعيشون في أوروبا، ولأن المغرب يحافظ على علاقات وثيقة للغاية مع الاتحاد الأوروبي.

فالمغرب ليس مجرد دولة مجاورة، بل هو شريك تجاري وهجري ودبلوماسي وأمني، كما طوّر سياسة خاصة للحفاظ على الروابط الدينية مع جزء من جاليته في الخارج.

لذلك، ينبغي لأوروبا أن تنظر إلى المغرب في الوقت نفسه بوصفه دولة ذات أبعاد متعددة، من بينها الجالية والعلاقات الدبلوماسية والتعاون الأمني والتأثير الديني.

 

العنصر الأول: الجالية المغربية

يرتبط جزء مهم من النفوذ الديني المغربي خارج البلاد بواقع ديموغرافي واضح، يتمثل في المغاربة المقيمين في أوروبا.

توجد جاليات مغربية كبيرة في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وألمانيا وبلدان أوروبية أخرى. وهذا يعني أن جزءاً من السياسة الدينية المغربية لا ينتهي في الرباط، بل يستمر خارج الحدود.

وقد طورت الدولة المغربية آليات للحفاظ على روابطها مع مواطنيها ومجتمعاتها في الخارج، ويظهر الدين أيضاً ضمن هذه الآليات.

 

المغرب يصدّر نموذجه الديني

هذه إحدى أكثر خصائص النظام إثارة للاهتمام.

فالمغرب لا يكتفي بالقول: «مواطنونا المقيمون في أوروبا مسلمون».

بل طوّر أيضاً مؤسسات وبرامج تهدف إلى الترويج لتفسير ديني معين.

والهدف المعلن هو تعزيز إسلام يُعتبر معتدلاً ومرتبطاً بالتقاليد الدينية المغربية ومناهضاً للتطرف.

لكن هناك بُعداً آخر من الناحية السياسية: فالجهة التي تساعد على تكوين القادة الدينيين تستطيع أيضاً زيادة قدرتها على التأثير في المجتمعات الدينية.

وهذا لا يعني بالضرورة السيطرة عليها، لكنه يعني امتلاك القدرة على التأثير فيها.

 

معهد محمد السادس لتكوين الأئمة

من أهم الأدوات في هذا المجال معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات.

أنشأ المغرب هذا المعهد عام 2015، بهدف تكوين رجال الدين والخطباء ضمن نموذج ديني تروّج له الدولة المغربية.

ولا يقتصر البرنامج على المغرب، بل يشمل أيضاً تكوين رجال دين من بلدان أخرى في أفريقيا وأوروبا.

وكان تحليل صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قد أشار إلى أن مئات الأئمة والخطباء الأفارقة والأوروبيين شاركوا في البرنامج، وأن المغرب يسعى إلى توسيع هذا النوع من التعاون مع البلدان الأوروبية.

وهنا تبرز مسألة أساسية: يستخدم المغرب التكوين الديني أداةً من أدوات سياسته الخارجية.

 

لماذا تقبل أوروبا هذا التعاون؟

لأن أوروبا تواجه مشكلة حقيقية.

كيف يمكن تكوين الأئمة الذين يعملون مع المجتمعات المسلمة الأوروبية؟

يتعين على الدول الأوروبية الإجابة عن أسئلة صعبة:

من يكوّن الإمام؟ وبأي لغة؟ ووفق أي برنامج؟ وبأي تفسير ديني؟ ومن يمول تكوينه؟ ومن يشرف على أنشطته؟

يقدم المغرب إجابة مفادها: «يمكننا مساعدتكم على تكوين رجال الدين وفق نموذجنا».

وقد يبدو ذلك جذاباً لبعض الحكومات الأوروبية، لأن المغرب يمتلك خبرة في الوقاية من التطرف، كما يفرض رقابة مؤسسية قوية على المجال الديني.

 

مشكلة التأثير المزدوج

هنا تظهر مسألة أكثر حساسية بكثير.

لنفترض أن إماماً يعمل في أوروبا، وقد تلقى تكوينه في المغرب، ويحافظ على علاقات مؤسسية مع الهيئات الدينية المغربية.

قد يكون ذلك مشروعاً تماماً، لكنه يثير أيضاً سؤالاً: إلى أي حد يستجيب هذا الإمام للاحتياجات الدينية للمجتمع الذي يعيش فيه، وإلى أي حد يحتفظ بعلاقة اعتماد على البلد الذي كوّنه؟

لا توجد إجابة عامة واحدة، فالحالات قد تختلف اختلافاً كبيراً، لكن ينبغي لأوروبا أن تكون قادرة على معرفة طبيعة هذه العلاقات.

 

الملك بصفته «أمير المؤمنين»

هنا يظهر اختلاف جوهري عن بعض البلدان الأخرى.

فمحمد السادس ليس مجرد الحاكم السياسي للمغرب.

إنه أيضاً أمير المؤمنين.

وبالتالي، فإن للسلطة الدينية للملك بُعداً يتجاوز الحدود الوطنية.

وهذا يعني أن العلاقة بين المغرب والملك والدين والجالية لا تختفي تلقائياً عندما يعبر مواطن مغربي البحر الأبيض المتوسط.

وهذه إحدى المفاتيح الأساسية لفهم السياسة الدينية المغربية في أوروبا.

 

مجلس الجالية المغربية بالخارج

أنشأ المغرب أيضاً مؤسسات تهدف إلى الحفاظ على العلاقة المؤسسية مع مواطنيه المقيمين في الخارج.

ولهذا الأمر منطق واضح من وجهة نظر الرباط: فالجالية ليست مجرد مجموعة من الأشخاص، بل تمثل أيضاً رابطة اقتصادية وثقافية وسياسية ودينية.

لذلك، لا ينبغي لأوروبا أن تنظر إلى المسألة من زاوية الهجرة وحدها، إذ يوجد أيضاً بُعد يتعلق بالسياسة الخارجية المغربية.

 

الدين أداة للقوة الناعمة

يمكننا هنا استخدام مفهوم بالغ الأهمية، هو القوة الناعمة.

وهي قدرة دولة على التأثير من دون استخدام القوة.

ويمتلك المغرب عدة أدوات للقوة الناعمة، من بينها الدين والثقافة واللغة والجالية والتعاون الأمني وتكوين الأئمة.

 

الخلاصة

لا يمكن فهم منظومة السلطة الإسلامية في المغرب من خلال النظر إلى الأئمة أو المساجد وحدها.

بل يجب النظر إلى الصورة الكاملة.

فالملك يوفر السلطة المركزية.

والمجلس العلمي الأعلى يوفر السلطة الدينية المؤسسية.

ووزارة الأوقاف تدير جزءاً كبيراً من البنية التحتية الدينية.

وتوفر الأملاك الوقفية أصولاً وموارد اقتصادية.

وتنقل المساجد الإسلام الرسمي إلى السكان.

وتكوّن المعاهد المسؤولين الدينيين.

ويتلقى الجيش أيضاً توجيهاً دينياً منظماً مؤسسياً.

وتتنافس الأحزاب الإسلامية سياسياً ضمن حدود محددة.

وتتحدى الحركات الإسلامية المستقلة، بدرجات متفاوتة، احتكار السلطة الدينية.

ويشارك رجال الأعمال والمطورون العقاريون في المنظومة الاقتصادية المحيطة بالأملاك الدينية والبناء والخدمات.

كما يستخدم المغرب نموذجه الديني أداةً للتأثير الخارجي، ولا سيما في أفريقيا.

لذلك، ربما تكون أفضل طريقة لتعريف النموذج المغربي هي القول إنه ليس مجرد دولة لها دين رسمي، بل دولة بنت بنية مؤسسية لتنظيم المجال الديني.

وفي قلب هذه البنية توجد شخصية استثنائية: الملك بصفته أمير المؤمنين.

وهذه هي نقطة الانطلاق الضرورية لفهم كيفية تداخل الدين والسياسة والمال والأمن والسلطة في المغرب.

 

النفوذ الأجنبي الذي لا يستطيع أحد رؤيته.

وهنا يكمن على الأرجح التحدي الأكبر الذي سيواجه الإسلام الأوروبي في المستقبل: هل تستطيع أوروبا بناء إسلام أوروبي بالكامل، متوافق مع الحرية الدينية والديمقراطية الليبرالية والحقوق الفردية، من دون قطع علاقاتها مع بلدان المنشأ ذات الأغلبية المسلمة؟

لا توجد إجابة سهلة عن هذا السؤال، لكنه سيكون أحد الأسئلة السياسية والاجتماعية الكبرى خلال العقود المقبلة.

Close Menu